مسلم يدان دينًا يعلم الله منه أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا» [1] .
ففي هذين الحديثين ما يدل على اعتبار النية الصادقة في الأداء، وأن الله يؤدي عن صاحبها؛ فيرجى أن لا يتناوله الوعيد السابق الذكر وقد قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}
[البقرة: 286] [2] .
ولهذا قيد بعض العلماء أمر التشديد في الدين بمن تهاون بقضائه، أما من استدان دينًا وأنفقه في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فإن الله يقضيه عنه مات أو قتل [3] .
ونختم هذا المطلب بكلام نفيس لابن حجر -رحمه الله- الذي يرى فيه أن الشهادة لا تسقط التبعات، وأن ذلك لا ينافي حصول الأجر، فقال:"... إن وجود التبعات لا يمنع حصول الشهادة، لأن الشارع قد رتب الثواب على صفة معينة، فإذا حصلت للمؤمن عند موته حصل له ذلك الثواب، فضلًا من الله وإحسانًا ووفاءً بوعد الله، والله لا يخلف الميعاد، وليس للشهادة معنى إلا أن الله تعالى يثيب من حصلت له ثوابًا مخصوصًا، ويكرمه كرامة زائدة، وقد بين الحديث أنه يكفر ذنوبه المتعلقة بحقوق الله تعالى، ويتجاوز عنه الإخلال بها، بأن يترك معاقبته عليها، فإذا فرض أن الشهيد له أعمال صالحة، وقد كفرت الشهادة أعماله السيئة غير حقوق العباد، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من الحقوق والتبعات، فيوفى ما عليه من أعماله الصالحة بمن الله ورحمته، ولا يلزم من حصول الشهادة سقوط حقوق العباد، فإن عدم بقاء شيء من التبعات على السالم من الدين إنما هو من ضرورة الواقع، لا من جزاء الشهادة."
ومثال ذلك أن بعض خواص الملك لو ظلم آخر من أخصائه -مثلًا- فاقتص الملك منه للآخر حقه، لم ينافي ذلك إكرامه لمن اقتص منه، بل الواقع أن كثيرًا منهم يبالغ في إكرام بعض أخصائه، ويستوفي مع ذلك منه حق من ليس من أخصائه، إيثارًا للعدل، ومحبة في الإنصاف، فكيف بمن {لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40] " [4] ."
(1) النسائي في كتاب البيوع، باب التسهيل في الدين، رقم 4686.
وابن ماجه في كتاب الصدقات، باب من أدان دينًا وهو ينوي قضاءه، رقم 2408، واللفظ له.
(2) وقد جاء ضمن فتاوى اللجنة الدائمة سؤال عن من مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره، هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟
وقد جاءت الإجابة قريبة مما ذكرناه، وأن الوعيد في الدين محمول على من ترك مالًا يقضي منه دينه، أما من لا مال له يقضي عنه فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [، وقوله سبحانه: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة 280] ، كما لا يتناول من بيت النية الحسنة بالأداء عند الاستدانة ومات ولم يتمكن من الأداء، لما روى البخاري -رحمه الله- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"، فتاوى إسلامية: 2/ 418، جمع وترتيب محمد عبد العزيز المسند.
(3) الفروع، لابن مفلح: 6/ 194.
(4) بذل الماعون: لابن حجر، ص 146 - 147.