الذي سيأتي بيانه. فأما الفرقة الثالثة -أو الأمة الثالثة -فقد سكت النص عنها .. ربما تهوينا لشأنها -وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب -إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب:
«فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم: كونوا قردة خاسئين»
لقد كان العذاب البئيس -أي الشديد -الذي حل بالعصاة المحتالين، جزاء إمعانهم في المعصية -التي يعتبرها النص هي الكفر، الذي يعبر عنه بالظلم مرة وبالفسق مرة كما هو الغالب في التعبير القرآني عن الكفر والشرك بالظلم والفسق وهو تعبير يختلف عن المصطلح الفقهي المتأخر عن هذه الألفاظ إذ أن مدلولها القرآني ليس هو المدلول الذي جعل يشيع في التعبير الفقهي المتأخر -كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم، حين تنازلوا عن أخص خصائصها -وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة -وانتكسوا إلى عالم «الحيوان» حين تخلوا عن خصائص «الإنسان» . فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان! أما كيف صاروا قردة؟ وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة؟ هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه؟ أم تناسلوا وهم قردة؟ ... إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير ... فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم وليس وراءه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء .. فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه". [1] "
وعن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال أيكم سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن التي تموج موج البحر قال حذيفة: فأسكت القوم فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه) . قال حذيفة وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر أكسرا لا أبا لك فلو
(1) في ظلال القرآن (3/ 1384) .