كما هو الواقع اليوم؛ لا يسمون الجهاد الذي فيه إخراج المشركين من جزيرة العرب وتطهيرها من أدناس الكفرة المحتلين - فكريًا وماديًا وسياسيًا حتى عسكريًا - والقيام على المرتدين، ومع ذلك يسمون المجاهدين"خوارج"و"إرهابين"، وليس قتالهم جهاد إنما هو فتنة ... ألا في الفتنة سقطوا.
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} ، وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} .
قال ابن تيمية رحمه الله: (قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك! اجلس، فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى أخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم، يثبطونهم عن القتال، وكانوا لا يأتون العسكر إلا ألا يجدوا بدًا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فانصرف بعضهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال: أنت ههنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلي، فقد أحيط بك وبصاحبك) !
-ومن صفاتهم؛ أنهم يجمعون بين التخلف عن الجهاد وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره:
كما قال تعالى: {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} ، وكما قال تعالى: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
ومعلوم أن الفرار لا يمنع من الموت أو من القتل، قال تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} ، فمضمون هذه الآيات؛ أن المنايا مقدرة محتومة.
فكم ممن حضر القتال فسلم، وكم من فر من المنية فصادفته.
فهذا سيف الله المسلول خالد بن الوليد؛ لما احتضر كان ببدنه بضع وثمانون، ما بين ضربة بسيف وطعنه برمح، ورمية بسهم، [فقال] : (وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) .