واعلم أن المشركين نجس؛ سواء كان إشراكهم في العبادة والنسك، أو في الحكم والقضاء، أو في الولاء والبراء، فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28] . فالوقوف في صف أحدهم على الآخر إنما هو كمحاولة تطهير النجاسة بالنجاسة! وذلك لا يجوز ولا يجزئ! إذ أن الطائفتين"وجهان لعملة واحدة"! وقد قيل:
كلا الأخوينِ ضريطٌ ولكن *** شهاب الكفر أضرط من أخيهِ!
وهذه ثغرة كبيرة، سقطت فيها الأعداد الكثيرة، قال شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي -فك الله أسره- في أساليب الطغاة لتمييع ملة إبراهيم وقتلها في نفوس الدعاة، قال:"ومن ذلك أيضًا ما يلجأ إليه كثير من هؤلاء الطواغيت من تجنيد العلماء وشغل أوقاتهم لصالحهم في محاربة خصومهم ومن يخافونهم على أنظمتهم وحكوماتهم كالشيوعيين مثلًا أو الشيعة أو غيرهم ممن يهددونهم ويهددون حكمهم .. فيلجأ الطاغوت إلى بعض هؤلاء العلماء المتحمسين المبغضين لتلك الاتجاهات الضالة .. فيعينهم على أولئك الأعداء المشتركين ويخادع هؤلاء العلماء بإظهار حرصه على الدين وعلى أهله وتخوفه من أولئك على حرمات المسلمين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنون لمحاربة أولئك .. فيسقط هؤلاء المساكين بحبائله ويضيعون أعمارهم وأوقاتهم ودعواتهم في نصرة عدو على عدو .. بل يصل الحال بكثير منهم بأن يلغوا عداوتهم للطاغوت القريب ويصادقونه بل ربما أصبحوا في يوم من الأيام جندًا وأعوانًا مخلصين له ولحكومته .. يكرسون حياتهم في خدمته وتثبيت عرشه وحكمه ودولته .. شعروا أو من حيث لا يشعرون".اهـ [ملة إبراهيم ص79] .
ثم اعلم أيها الموحد أنه يجب عليك أن تكون حنيفًا، والحنيف هو المائل عن الباطل وأهله، قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله: الـ"حنيف: هو المائل عن الباطل".اهـ [منة المنعم في شرح صحيح مسلم 4/ 333] .
فالحنيف مائل عن طائفة الرافضة، ومائل عن جيش الطاغوت، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، قال العلامة ابن منظور رحمه الله:"الحنيف: المسلم الذي يتحنف عن الأديان، أي يميلُ إلى الحق .. ومعنى الحنيفية في اللغة الميل .. وإنما أُخذ الحَنَف من قولهم رجل أَحنف ورِجلٌ حَنفاء، وهو الذي تميلُ قدماه كلّ واحدة إلى أختها بأصابعها".اهـ [لسان العرب 2/ 930] .
ولقد أمرنا الله تعالى بذلك فقال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: 5] .