ولحدوث هذا النمط من التلقي أسبابٌ كثيرة:
منها: أن يكون المتلقي كارها أو مستثقلا لفعل التلقي نفسِه المفروض عليه من الخارج. كالطالب الكسول الذي يستثقل السماع من مُدرِّسِهِ إلا أنه مجبور عليه. وكالمستمع لخطاب حاكمٍ متسلط أجبره الشُّرَط على الحضور والاستماع. وهؤلاء يصدق فيهم المَثَلُ الإنجليزي: (( إنك تستطيع أن تسوق الحصان إلى العين لكنك لا تستطيع أن تجبره على الشرب ) ).
ومنها: أن يكون نظر المتلقي في الخطاب لا لعينه وإنما بحثا عن غيره المُتَّصل به، كمتصفح الجريدة مثلا بحثا عن خبر معين أو إعلان خاص، فإنّ نظره قبل وصوله إلى مبتغاه لا بدَّ واقعٌ على الكثير من الكلام الذي لا يبالي به.
ومنها: أن يكون المتلقي شارد الذهن لاهي القلب وقت التلقي، لكفرٍ بالخطاب أو تكذيب أو غفلة. ومِنْ أوثق الأمثلة على ذلك قولُه تعالى في المشركين: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء (2،3) ] فَوَصَفَهُم، سبحانه وتعالى، بممارسة فعل التلقي (( يستمعون ) )لكنهم مع ذلك غافلو الظاهر: (( يلعبون ) )وغافلو الباطن: (( لاهية قلوبهم ) ). وكذلك قوله تعالى في المنافقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد (16) ] فوصفهم بالاستماع وبعدم تحصيل المعنى في الوقت نفسه.
والنوع الثاني: من يهتم بالخطاب لكن لا لمعناه وإنما لشيء آخر غير المعنى.