الصفحة 39 من 176

وناهيك في أسرار تعدد النزول حكمة ويقينًا واستمرارًا لجدة القرآن، وحضوره في زخمة الأحداث، وتجدد الوقائع، وطبيعة الرسالة المتدرجة في تعاليمها من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الكليات العامة إلى التفصيلات الجزئية.

والوحي ينظر إلى الناس باعتبارهم الهدف الرئيسي من تنزيل القرآن، قصد هدايتهم، ورجاء إثابتهم إلى الحق، فاهتم بهذا العنصر في سبب النزول مفرقًا، وصرح بذلك سبحانه وتعالى:

(وقرءانًا فرقناهُ لتقرأهُ على النّاسِ على مُكْثٍ ونزَّلناهُ تنزيلًا(106 ) ) (1) .

1 ـ وقد أفاض القدامى من العلماء والمفسرين في أسرار التنجيم في النزول، استفادوا قسما منها من القرآن، واجتهدوا في القسم الآخر، فمن الأول تيسير حفظ القرآن، وتثبيت فؤاد النبي 6، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، والإجابة عن أسئلة السائلين (2) .

ومن الثاني كون القرآن أنزل وهو غير مكتوب على نبي أمي، كما حكي ذلك عن أبي بكر بن فورك (ت: 406 ه‍) (3) .

وقد لاحظ باحث معاصر أن القدامى قد أدركوا حكمتين في ذلك هما: تجاوب الوحي مع الرسول 6، وتجاوبه مع المؤمنين (4) .

2 ـ وإذا كان ما فهمه القدامى ـ كما يدعى ـ يقف عند هذا الحد، فلا ينبغي عند الباحثين المحدثين أن يقف عند حدود معينة، وعليهم الإمعان والإيغال في الاستنتاج. وإن كان كل ما تقدم هو الصحيح، ولكن لا مانع أن يضاف إليه بأن القرآن الكريم ـ كما يبدو من منهجيته الاستقرائية ـ يريد كتابة التأريخ الإنساني، بكل ما في هذا التأريخ من مفارقات وأحداث ونوازع وتطورات، والتأريخ إنما يكتب في جزئياته، ومن ضم

(1) الإسراء: 106.

(2) ظ: السيوطي، الاتقان: 1/ 85 ـ 121 + أبو شامة: 28.

(3) ظ: الزركشي: 1/ 231.

(4) ظ: صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن: 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت