فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 142

في البيت الثاني الزمخشري-وهو من هو! وحيد دهره، وفريد عصره الذي لم تجُدِ الأيَّام بمثله، وعقمت النساء أن يردن مثله رغم اعتزاله-يشبه نفسه بـ: حرف الميم، وأن الأيام: (أفلح) أي: مشقوقة الشفة السفلى، ومن كان هذا حاله لم يستطع أن ينطق حرف الميم من مخرجها الصحيح.

وما دام أهل الجهل قد أفلحوا ونفشوا أرياشَهم ووجدوا من يستمع إليهم ولا ينكر عليهم، على عكس ما ينبغي أن يكون عليه الحال، فدل ذلكم على أن الزمان قد دار، وأهين فيه أهل العلم كالإمام الزمخشري بحيث إن أمثاله لا حظ لهم من الوقار والاحترام عند المجاهيل، لأنهم لا يُقَدِّرون علمهم ووضعهم.

فلهذا كانت أيامه عليلة-حسب قوله-لا يخرج ولا يبرز فيها أمثاله، لأن الميم لا بد لها من شفاه سوية تنطق بها على وجه الكمال حكمًا ومخرجًا وصفة.

وهذا تشبيه من الزمخشري [1] في غاية من الدقة والجمال وإن قلتَ: فيه استعارةٌ، قلتُ: صدقت، وإن قلتَ: فيه كناية، قلتُ: صدقت.

يدل على ذلكم الشرح البيت الذي قبله:

وأخرني دهري وقدم معشرا * على أنهم لا يعلمون وأعلم

فأهل زمانِه لا يفهمونه، ولذا كان حائرًا لا يبوح بقناعاته المذهبية-على علاتِهَا-لأن المتفهمين قلة.

وهذا ليس ببعيد عن عصرنا هذا، فإن أهل العلم محتقرون ومهمشون، في حين أن الفضائيات-لا تستضيف-غالبًا-إلا النطيحة والموقوذة وما أكل السبع من المنافقين والنفعيين-وصارت مليئة بالمتردية والنطيحة من المذيعين والمذيعات والراقصين والراقصات الأحياء منهم والأموات، يُفتون ويُدلون بآرائهم حول جميع الأمور الشرعية التي ربما لو سُئل عالمٌ عن بعضها لقال إنها تحتاج إلى مجمع فقهي.

بصرف النظر عن تعالي وأنفة وكبر الزمخشرى على علماء زمانه، وفيهم كبراء علماء المالكية، والحنفية، والشافعية، والحنابلة، وإلا فكلامه محمول على بيان المعنى على ما هو عليه، بغض النظر عن الموافقة، أو: المخالفة له.

(1) -انظر: (الفائق في غريب الحديث) (1/ 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت