الصفحة 4 من 27

ابتدأ المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه القواعد بالبسملة وقد ذكرنا ما يتعلق ببدأ البسملة عند أهل العلم .. إقتداءً بكتاب الله وإقتداءً بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآخذًا من حيث الواجب في ذلك وهو ضعيف كما ذكرت في الدرس السابق، وجريًا على تصانيف أهل العلم وأيضًا خامسًا كما ذكرنا سابقًا من باب الإستعانة والتبرك.

يقول: (أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَوَلاكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ)

هنا يتميز الشيخ -رحمه الله تعالى- أنه يبتدأ كتبه دائمًا بالدعاء للسامع وللقارئ وهذا الدعاء يتضمن أمور:

1.أن الشيخ ناصح وأنه مشفق وأنه يريد بك الخير في الدنيا والآخرة.

2.أن هذا العلم رحمة، وأن العلماء رحماء، فمن عظيم رحمته -رحمه الله تعالى- أنه دعى لك لتعلم أني أردت بك الخير وأردت بك النصح وأن تقبل بقلبك وسمعك على ما يقال وعلى ما تقرأه من كلام.

إذًا هذا سبب بدأه -رحمه الله تعالى- بالدعاء، وقد كان أهل العلم يبتدؤن مصنفاتهم بالدعاء للقارئ كما في مسلم -رحمه الله تعالى- بدأ مقدمة صحيحه بقوله: (اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ) وبدأ أيضًا شيخ الإسلام في أصوله الثلاثة وفي أكثر كتبه يبدأ دائمًا بالدعاء للقارئ وللسامع.

وقد دعى لقارئ هذا الكتاب بثلاث دعوات، والصحيح أنها دعوةٌ عامة وليست خاصة لكل قارئ لهذا الكتاب ولكل سامع لهذا الكلام.

(أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وفي هذا تعظيم لله عز وجل بأن سأله بكونه كريم ووجه الإختصاص بذكر الأسم بالسؤال أنه من كرمه سبحانه وتعالى أن يفيض عليك من رحماته وأن يفتح عليك في فهمك وأن يهديك إلى الصراط المستقيم فهو الكريم الذي يتفضل بفضائله سبحانه وتعالى.

(رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) الذي هو أعظم مخلوقات الله عز وجل وخص العرش بالربوبية لأنه أعظم مخلوقات الله عز وجل التي لا نراها فالسماوات والأراضين هي أكبر المخلوقات التي نشاهدها وهي على عظم خلقها لا تساوي في العرش إلا كخردلة أو كحلقة ألقيت في فلاك السموات السبع والأراضين السبع في الكرسي ما هي إلا كحلقة في فلاك والكرسي في العرش كخردلة في كف أحدنا، إذًا العرش خلقٌ عظيم لا يعلم قدره إلا ربنا سبحانه وتعالى، فخصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات.

قال: (أَنْ يَتَوَلاكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) وتولي الله لك في الدنيا والآخرة هو الفوز الأبدي لك فإذا تولاك الله في الدنيا فإن توليه لك يكون نصرك وتأييدك وحفظك وعصمتك من الشبهات والشهوات ونصرك أيضًا من أعدائك المخالفين لك كلها تدخل تحت التولي في الدنيا، وأما في الآخرة فإذا تولاك الله عز وجل فإن معناها أن ينجيك من عذابه ومن سخطه وأن ينجيك من أهوال يوم القيامة ومن كربها وأن يدخلك في جنته سبحانه وتعالى وأن يظلك في ظله ويعطيك كتابك بيمينك فهذا كله بمعنى يتولاك في الدنيا والآخرة.

(وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ) إذًا التولي في الدنيا والتولي في الآخرة وأن يجعلك مباركًا والمبارك هو الذي شمله الخير والعلم والهدى في نفسه وتعداه إلى غيره.

قد يكون العبد صالحًا تقيًا تعلقت بركته في نفسه هو فإذا تعدت البركة إلى غيره سمي مباركًا، ولذلك قال عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [1] قال أهل التفسير في معنى (مبارك) هنا: آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر وكذلك المؤمن يكون مباركًا كالشمس حيث طلعت نفعت، فالبركة تكون بالعلم والصدقة والمال وتكون بالجاه إذا نفع الإنسان غيره بعلمه أو بماله أو بجاههِ فإنه يسمى مباركًا.

(1) مريم: 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت