قال:
فمضت لطيَّتها قبائل طيّءٍ فرقًا وحشو صدورهم إرهاب
غير أن هذا لا يعني أن رهب مرادف لخاف، فاختلاف مباني الألفاظ عند العرب دليل اختلاف بين معانيها ولو كان يسيرًا، قال الطوفي:"إن العلماء كثيرًا ما يفرقون بين المعاني والدلالات باختلاف الحروف، كقولهم البيض كله بالضاد إلاّ بيظ النمل فإنه بالظاء" [1] ، قال ابن قتيبة:"وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون تقارب ما بين اللفظين كتقارب ما بين المعنيين، كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلاّ عند الضرورة: شروب، ولما كان دونه مما يتجوز فيه: شريب، وكقولهم لما ارفضّ على الثوب من البول إذا كان مثل رؤوس الإبر: نضح .. فإن زاد على ذلك قيل له نضخ ... وكقولهم للقبض بأطراف الأصابع: قبص، وبالكف: قبض ..." [2] ... إلى آخر ما ذكر من أمثلة.
والشاهد أن اختلاف مباني الألفاظ يدل على اختلاف معانيها.
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:"الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة، قال أبو القاسم الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس، وقيل الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف، وقيل الخوف: قوة العلم بمجاري الأحكام، وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه، وقيل الخوف: هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره، والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية من العلماء بالله، قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ، فهي خوف مقرون بمعرفة، فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان:"
إحداهما: حركة للهروب منه وهي حالة الخوف.
والثانية: سكونه وقراره في مكانه لا يصل إليه فيه، وهي الخشية، ومنه: انخش الشيء، والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضى البازي وتقضض.
وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه، وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى، يجمعهما اشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع.
(1) شرح مختصر الروضة: 1/ 14.
(2) تأويل مشكل القرآن: 53 - 54 باختصار.