فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 117

وقد فعله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة؛ فكان أول عمل بدأ به بعد الفتح ولم يؤجله - كما في صحيح البخاري ومسلم - لما فتح مكة وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعُنها بالقوس ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، {جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} ، والأصنام تتساقط على وجهها.

يقول ابن القيم رحمه الله عن أمثال هذه الأصنام: (لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة، وهذا حكم المشَاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركا عندهم وبها، والله المستعان، ولم يكن أحد من أرباب الطواغيت يعتقد أنها تخلق و ترزق و تميت وتحيي، و إنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم المشركون اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين) اهـ [زاد المعاد: 3/ 506] .

فكونوا - رحمكم الله - من أصحاب هذه العصابة المحمدية، وحذار من التساهل في مظاهر الشرك وأماكنه أو إقرارها لوقت من الأوقات، واعتبروا وتدبروا في قصة ثقيف لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم صنمهم الطاغية اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا واحدا، فأبى أن يدعها وبعث صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما يهدمانها فهدماها أمام أعين ثقيف.

يقول ابن القيم رحمه الله في الفقه المستفاد من قصة وفد ثقيف: (ومنها؛ هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير، وهذا حال المَشَاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويُشرَك بأربابها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها، ولا يصح وقفها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت