ولكن قد يُخرج عن هذا الأصل إذا وجد ما يقتضيه وهو أن يكون العدو الأبعد أشد ضررا فيبدأ بقتاله كما قال في المغني كذلك عقب الكلام السالف: (فإن كان له عذر في البداية بالأبعد؛ لكونه أخوف، أو لمصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادنا، أو يمنع من قتاله مانع، فلا بأس بالبداية بالأبعد، لكونه موضع حاجة) اهـ.
والعذر المذكور (لكونه أخوف) وما هو أشد منه مما يصدر من رأس الكفر أمريكا هو الذي حدا بالشيخ أسامة رحمه الله إلى التركيز عليها وتوجيه سهام المجاهدين إلى نحرها.
وأما واقعا .. فخطر أمريكا على أي مشروع إسلامي (إمارة في قطر ناهيك عن خلافة تعم الأرض) ! لا يشك فيه إلا من هو متقوقع على نفسه بعيد عن واقع الأمة، فالعيان يغني عن البيان، ومن المعضلات توضيح الواضحات.
وأما شرعا فقد دلت على ذلك أحداث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولبيان هذا أقول: لا يخفى على من له اطلاع على سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا كانت هي حامية وحاملة راية الوثنية، وكانت هي رأس الحربة وقائد قوات القبائل العربية التي حاولت جهدها أن تقضي القضاء المبرم على الدولة النبوية في المدينة، بدءا من معركة بدر إلى غزوة الأحزاب .. إلى .. ، وكانت الحرب في تلك الفترة سجال بين الدولة الإسلامية ومن ناوأها، ولم تصبح الدولة النبوية آمنة من أي خطر يتهددها إلا بعد سقوط رمز الزعامة العربية (قريش) وفتح مكة التي سماها القرآن الكريم (أم القرى) كما في قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] ، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7]
وما تسميتها كذلك ـ على أحد أوجه التفسير ـ إلا كما قال الإمام الألوسي رحمه الله في تفسيره: [روح المعاني:4/ 210] :.
(لأنها أعظم القرى شأنا فغيرها تبع لها كما يتبع الفرع الأصل) اهـ.
و لما كانت هي بمثابة الأصل وغيرها كالفرع والتبع، سقطت بسقوطها بقية القبائل العربية، بل ودخلت في دين الله أفواجا ونزلت حينها سورة (النصر) : {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} .