الصفحة 92 من 103

بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم؛ فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه.

ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم، وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم، مستدلا بقصة أبي بصير مع المشركين) اهـ.

وتأمل في عبارات ابن القيم رحمه الله: (حيث لا حكم للإمام عليهم) و (وفصل عن يد الإمام وحكمه) و (ولم يتحيزوا إلى الإمام) .لتدرك أن العبرة بالقدرة والسلطان فهي الحد بين حدود الدولة الإسلامية وغيرها من دول الكفر وليس بوجود جماعات تابعة للخليفة مهما كبرت طالما أنها ليست بذات شوكة وسلطان (أي صاحبة الأمر والنهي) في تلك البقاع كما سبق، وهذا ما أدركه كفار قريش حيث أنهم لم يقولوا أو يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقض العهد -وهم الحريصون على اتهامه بكل نقيصة- بحجة أن من قاتلهم واستهدفهم في اقتصادهم هم من جنود الدولة الإسلامية، وما ذاك إلا لما تعارفوا عليه أن هؤلاء (أبو بصير وأصحابه) هم خارج حدود الدولة (السلطان) وبالتالي الدولة ليست مسؤولة عما يصدر عنهم من أعمال، ولهذا كان أفضل طريق لقريش للتخلص من هذا الخطر الذي هدد اقتصادها أن ترسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن) اهـ

وعليه نقول إن التمدد المذكور إذا كان بالصفة الواردة في كلام أبي عبد الله: ( .. ما تفتح الدولة من المناطق وتحرره من الطاغوت وتبسط حكمها عليه .. ) بمعنى أن تكون هي (الدولة) صاحبة الأمر والنهي في المناطق المحررة فالتمدد صحيح بناء على صحة أصله -عنده-، وأما ما كان بصفة التمددات التي نراها والولايات التي نسمع عنها فهو تمدد باطل لأنه فاقد لأصله وأسه (السلطان) كما بينا.

على أن أبا عبد الله قد بدا مضطربا بل ومتناقضا في هذه المسألة كذلك حيث قال هنا: ( .. ما تفتح الدولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت