تشكيلا للأشكال والألوان حسب، بل هو تشكيل يجمع مظاهر المحسوسات من أصوات وروائح وألوان وأشكال وظلال وملموسات وغيرها (19) ، وهنا بودي الاستشهاد على ذلك بوصف ابن الرومي لغناء كنيزة القبيح، وهو وصف يتضح فيه إمكانية اللغة في تصوير الأشياء المختلفة، معنوية ومادية، إذ يقول (20) :
تظل تلقي على من ضم مجلسها
قولا ثقيلا على الأسماع كاللوم
لها غناء يثيب الله سامعه
ضعفي ثواب صلاة الليل والصوم
ظللت اشرب بالأرطال لا طربا
عليه، بل طلبا للسكر والنوم
ولما كان الفن ـ بصورة عامة ـ لا يقوم إلا على محاكاة الطبيعة، إذن من الصحيح القول هنا؛ إن التصوير يعد عنصرا هاما فيه، ومشتركا بين أنواعه المختلفة، وهو ليس أداة من أدواته حسب، بل هو العنصر الذي لا يقوم الفن إلا به، من هنا رأى الفلاسفة أن الشعر ـ وحاله حال سائر الفنون والآداب ـ هو محاكاة لعوالم يمكن أن توجد (كما هو رأي أفلاطون) ومن ثم فالصورة الفنية هي انتقاص من الواقع المفترض وتشويه له، وهذا يعني أن الفنان مهما كان ذا عبقرية متميزة فانه يحاول تقليد الطبيعة في ما يبدعه من شعر وموسيقى ونحت وتصوير، أو أن تلك العوالم موجود بالفعل (كما هو رأي أرسطو) ومن ثم فالصورة أعمق من ذلك الواقع وأسمى، ذلك لأن الفن ليس ترديد حرفي بالمفهوم الفوتوغرافي للواقع أو هو تقليد أعمى له، بل هو محاكاة يظهر فيها اثر الصنعة (21) ،وما المحاكاة في نهاية المطاف إلا (( ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات ) ) (22) ،أو هي نقل للواقع أو تصوير له ولكن بأدوات وأساليب مختلفة تتراوح بين الفرشاة والصوت والحركة والكلمة ـ كلا حسب فنه ـ ومن هنا يتجاوز التصوير مجرد كونه أداة فنية أدبية، إلى كونه جوهرا للعمل الفني برمته، لذلك عد الجاحظ الشعر جنسا من التصوير، وان قيمته تكمن في قوة ذلك التصوير وليس في معناه، لأن المعاني مطروحة بالطريق يلتقطها القاصي والداني (23) ، والشاعر حتى عندما يصور أحاسيسه ومشاعره، إنما يحاكي روحه وما يرتسم فيها من خواطر وأحاسيس، وفي هذا الصدد يقول ايردل جنكنز: ليس هناك خلاف بين قولنا إن الفنان يعبر عن مشاعره وتأثيراتها أو انه يعبر عن خصائص العالم والحياة، لأن مشاعره وتأثراتها خاصة بصفة العالم (24) .
شغل الوصف مساحة واسعة من الشعر العربي القديم، حتى أننا لا يمكن أن نقرأ نصا شعريا قديما إلا والوصف شاخص فيه أو داخل في ثناياه، ومن هنا قال ابن رشيق القيرواني: (( الشعر إلا اقله راجع إلى باب الوصف ) ) (25) ،والوصف في الشعر العربي غالبا ما يكون ممتزجا مع غيره من الموضوعات، وندر في الشعر الجاهلي أن يكون غرضا مستقلا بذاته، وهو في الشعر الجاهلي غالبا ما ينصرف إلى مظاهر الطبيعة كالصحراء والرمال والجبال وما شاكل ذلك كالبحر على سبيل المثال (26) ، ويمكن أن يكون لحيواناتها كالإبل والخيل والغزلان والنعامة والبقر الوحشي وغيرها (27) ، لكن في العصر العباسي راح الشعراء يهتمون بتصوير الجانب المادي من الحضارة الجديدة حتى شمل تصويرهم جميع مظاهر الحياة من قصور وبيوت ووسائل لهو وتسلية كما وصفوا وسائل الثقافة وأدواتها كالكتب والأقلام وغيرها، وفي هذا العصر استطاع الوصف أن يكون فنا مستقلا في الشعر العربي، بعد أن كان يأتي في ثنايا القصيدة القديمة، وهو الأمر الذي جعل نقاد تلك الفترة يولوه عنايتهم بالدرس والتحليل من جوانب متعددة (28) ، ومن فرط عناية قدامه بن جعفر جعله غرضا قائما بذاته حاله حال الرثاء والهجاء والمديح (29) ، ومن جهتهم حاول الأندلسيون الإغراق في هذا الفن، ولاسيما في وصف الطبيعة الغناء التي حباهم الله بها، إذ أن من الطبيعي أن ينبري أولئك الشعراء لوصف ما يحيط بهم من رياض وبساتين ومجالس لهو فكانت هناك قصائد موقوفة على هذا الفن حسب (30) ، وعلى أية حال فقد عرف العرب قديما فن الوصف في أشعارهم واستطاعوا تطويره من كونه وصفا نقليا ـ كما هو شائع عند شعراء الجاهلية ـ إلى كونه وصفا وجدانيا يمتزج فيه نفس الشاعر، حتى كأنه لا يرى الموصوف بحواسه فقط، بل بقلبه وخياله، كما هو وصف البحتري وابن خفاجة للطبيعة ووصف الأشخاص عند ابن الرومي، ولعل من نافلة القول أن نذكر هنا موضوع الصدق الفني الذي اشترطه النقاد العرب القدامى