وتذهب بعض الروايات إلى أن عيسى كمَّل وبوّب وهذَّب ما صنعه أبوالأسود [1] ، وهذه الرواية لا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها بإمعان، لأن الفترة التي تفصل بين الرجلين فترة طويلة، فأبو الأسود على رأس الطبقة الأولى مع تلميذه عبد الرحمان بن هرمز، على حين أن عيسى يتموقع في المرتبة الرابعة بعد نحويين كثيرين ليسوا بأقل من عشرة أبرزهم جميعا عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، الموصوف من يونس بن حبيب بأنه هو والبحر سواء، وهو الغاية بالنسبة لعصره [2] .
وتزعم رواية أخرى أن عيسى بن عمر ألّف نَيّفًا وسبعين مصنّفًا في النحو، لم يظهر منها سوى الكتابين المشار إليهما آنفًا في شعر منسوب للخليل، في الوقت الّذي قال فيه ابن النديم"وقد فقد الناس هذين الكتابين مذ المدة الطويلة، ولم يقع إلى أحد علمناه، ولا خبّر أحد أنه رآهما" [3] .
وهذان الكتابان المشبوهان اللّذان لم يرهما أحد من العالمين ما عدا نظم الخليل، الّذي قد يكون اختُلق عليه أوْحَيَا إلى بعض الأخباريّين أن يدّعي ادعاء غريبًا إشارتُه أن الشابّ العلامة سيبويه أخذ كتاب عيسى المسمّى بالجامع (فبسطه، وحشّى عليه من كلام الخليل وغيره، فلما كمُل نسبه إليه" [4] ، وهذه الرواية المجهول تدَاوُلها في أوساط العلماء، الّذين عاصروا سيبويه، وورثوا ودرسوا كتابه الّذي طار طائره في الشرق والغرب تُقوّي"الكتاب"أصالةً عن سيبويه، ثمّ كيف يكون لعيسى هذا الكمّ الضخم من الكتب، ولا يشار إلا إلى كتابين لم يرهما أحد من تلامذة ومقرّبي عيسى ما عدا الخليل؟"
(1) - البلغة في تاريخ أئمة اللغة، ص: 136.
(2) - انظر طبقات النحويين واللغويين، ص: 31.
(3) - الفهرست، ص: 47.
(4) - البلغة في تاريخ أئمة اللغة، ص: 133.