وتنسخ عنه كل شك. فقد جاء في نهج البلاغة (2/ 151) : (فكم خصكم بنعمة، وتدارككم برحمة. أعورتم له فستركم، وتعرضتم لأخذه فأمهلكم) . قال الشارح: (أعورتم له أي ظهرت عوراتكم وعيوبكم، وتعرَّضتم لأخذه أي يأخذكم بالعقاب) . ففحواه إذًا: أبديتم عوراتكم فستركم وعرّضتم أنفسكم لعقابه فأمهلكم).
وفي كليلة ودمنة: (فإذا اجتمع عليه هذان الصنِّفان فقد تعرَّض للهلاك ـ باب الأسد وابن آوى) وفيه (والرجل الأرمد العين إذا استقبل بها الريح، تعرّض لأن تزداد رمدًا ـ باب الملك والطائر) وقال أبو حيان التوحيدي في كتابه (أخلاق الوزيرين) : (والله، للخروج من الطارف والتليد أسهل من التعرّض لهذا القول والصبر عليه وقلة الاكتراث به / 90) قال هذا، في اليزيدي هجاه شاعرٌ هجاء مرًّا.
وقال المرزوقي في شرح الحماسة (789) : (حتى كان يترك السفر واكتساب الأحدوثة بما يُمتهن فيه، ويتعرض من أجله للتلف) . قال فيه (738) : (أما تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد .. وتعرضتم لسخط الله عز وجل، في تجاوز مأموره) . وقال (80) : (وأما قتلٌ، وهو بالحرِّ أجدر من التعرض لما يُخزيه ويُكسبه الذل) . وقال (816) : (وابتذاله النفس وتعرضه للحتف) ، والحتف: الهلاك.
وقال ابن جني في الخصائص (470) : (وإنما وجب أن يرتَّب هذا العمل هذا الترتيب من قبل أنك لمَّا كرهت الواو هنا لما تتعرض له من الكسرة والياء) ، وقال في المحتسب (1/ 179) : (والفضلة متعرّضة للحذف والبذلة) . وقال فيه (1/ 243) : (إن الفَعلة واحدة من جنسها، والواحد مُعرَّض للتثنية والجمع) ، أفرأيت كيف جعل (متعرضة) من تعرّض له. كـ (معرَّضة) من عُرِّض له، فأنزلهما في المعنى منزلة واحدة.
خلاصة القول في معنى (تعرّض له) :
فاستبان بما تقدم أن (تعرض له) كـ (عُرّض له) أو (أعرض له) ، من قولك عرّضته لكذا فتعرض له، فيكون (تعرّض) هذا من قبيل (تفعل) الذي يدل على المطاوعة نحو حذَّرته فتحذر ونبّهته فتبَّنبَّه وعزَّيته فتعزّى، وقد أنكره الأستاذ جواد بلا بيِّنه وأباه بلا سلطان. ويأتي (تعرَّض له) بهذا المعنى كلما ابتغاك الشيء فجعلك غرضًا له، نحو قولك (تركت السفر الطويل مخافة التعرض للمرض) .