فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 24

طلبته. ولكنه قيل أيضًا (تعرَّض فلان للتلف) و (تعرّض للخزي) و (تعرض للهلاك) كما ثبت اطراده عن الفصحاء فما وجهه؟.

أقول: (تعرض) كما قال ابن منظور كـ (عَرَضَ واعترض) . فالأصل ألاَّ تتعرض للتلف أو تعرض له أو تعترضه، وإنما الوجه أن يتعرّض لك فيبتغيك، أو يعرض لك أو يعترضك. فإذا قلت (تعرض للمكروه) أو (للتعذيب) فهو كما يبدو، على القلب، لا على الأصل، لأنه بمعنى تعرَّض لك المكروه أو التعذيب مجازًا، فأصبحت له عُرضة وغرضًا. وقد اتفق بهذا أن يكون المتعرض مبتغيًا في اللفظ، وهو المتبغى والهدف في المعنى، وأن يكون (تعرض له) كـ (عُرِّض له) . وحين بدا للأستاذ جواد هذا ودلّ عليه نص صريح نكر النص وعاف الدليل، وقال (وقد تركت نصًا واحدًا ورد في الصحاح ومختاره يخالف واقع اللغة، وإني ذاكره بعد إيراد شواهد واقع اللغة، أي استعمال تعرض في كتب الأدب وكتب التاريخ) . أما نص الصحاح ومختاره فهو (وعرضت فلانًا لكذا فتعرّض هو له) أي غدا هدفًا له.

وثمة نص آخر أتى به الأستاذ جواد، على أنه حجة له، وهو حجة عليه. قال ابن منظور: (والعرب تقول عرض لي الشيء وأعرض وتعرَّض واعترض بمعنى واحد) .

فإذا كان (تعرّض له) كـ (أعرض له) ، فما الذي يعنيه قولك، على المجاز، (أعرض فلان للمكروه) ؟ إنه يعني أنه أبدى (عرضه) بالضم للمكروه فأمكنه منه، كأعور الشيء إذا أبدى عورته. فالمعرض أو المعور هو الذي أمكن آخر من عُرضه بالضم أو عورته فغدا له هدفًا وغرضًا. ففي الأساس: (أعرض لك الصيد فأرمه، وهو مُعرض لك) وفيه (وقد أعور لك الصيدُ وأعورك: أمكنك) فغدا هدفًا لك. هذا إذا كان الشيء هو المعرض أو المعور، فإذا كان المرء كما مثلنا هو المعرض أو المعور غدا هو الغرض والهدف. فقولك• أعرض فلان للمكروه) معناه أمكن المكروه من نفسه وكذا المتعرض فقولك (تعرض فلان للتلف) مثلًا مؤداه أنه أمكن التلف من نفسه فغدا غرضًا له. وهذا ما عناه الكتَّاب حين جرت أقلامهم به، ونطقت ألسنة الأيمة على منهاجه وطبعت على غراره.

أمثلة من كلام الفصحاء تشهد بصحة ما أنكره جواد:

وهذه طائفة من أقوال أصحاب البيان وفصحاء القوم تشهد بأن ما ذكره الأستاذ جواد، على أنه مخالف لواقع اللغة، إنما هو من طرائق اللغة وأساليب، بل تقيم الدليل على سداد ما ذهبنا إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت