فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 242

نارنا تتقدم نحو المدينه .. [1]

إن مفردة"المدينه"التي تتكرر في القصيدة سبع مرات تشكل المحور الرمزي الأساس لها، وتكرارها يصل بها إلى مرحلة التشخيص إذ يبدأ بها كيان القصيدة وينتهي بها، فهي القطب المناوئ في الصراع الفكري والحضاري والوجودي الذي نهضت عليه القصيدة.

يقابلها في القطب الآخر"نارنا"المتكررة ثلاث مرات، وهي تكون باتصالها بـ"نا"المتكلمين الضمير المعبر عن الكائن المجموع الممتزج"نحن"، والممثلة في سيطرة الأفعال المضارعة المسبوقة بصوت الاستقبال"سنهد ـ سنعيش ـ سنغسل ـ سنحرق ـ سنعكس"وما تؤديه من إنجازات تقوي مركز المجموع ذي الوجود الأصيل في عملية الصراع الفكري الدائر بينهما وبين"المدينه"ذات الوجود الطارئ القلق""الوجود المرقع"."

ويتأكد جزء كبير من إمكانية حسم الصراع لصالح ضمير المجموع ضد المدينة في هيمنة الجملة الاسمية"نارنا تتقدم"، إذ تتكرر مرة في بداية القصيدة ومرتين في خاتمتها.

إن هذه المعادلات التي تقدمها القصيدة بوصفها الواقع الفكري المجسد لبنيتها، تبعث بانسجامها وتنافرها وصراعها وتكرار صيغها ورموزها واكتناز دلالاتها إيقاعًا معينًا لا يمكن القبض عليه باستعمال الوسائل التقليدية في كشف النظم الإيقاعية المعروفة والمألوفة القائمة على التصويت والغنائية العالية.

وتنهض بعض القصائد الحديثة في تشكيل رؤاها الذهنية على تقسيم البنية الهيكلية العامة للنص على مجموعة من البنى الصغيرة التي تستقل في عوالمها الداخلية الخاصة، وتبعث في اشتراكها بسياق البنية العامة إيقاعًا منشؤه الأفكار.

ففي قصيدة"المنازل"للشاعر عبد الرحمن طهمازي مثلًا تولد الأفكار بإيقاعاتها الخاصة عبر أربعة نماذج من الصور تشكل في اجتماعها وامتزاجها حياة النص، ولكل صورة وجه تشكيلي يبعث إيقاعًا خاصًا:

سأخدش للنهر ليلا

وللبحر بابا

وأصلح وجهي لعمري

(1) الآثار الكاملة، مجلد، 482: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت