واجتماعية.
هذا فيما يخص المحاولات الشعرية التي تحاول أن تلغي التاريخ وأن تتجاوزه ولكنها تبقى مع ذلك شاهدًا ودليلًا على فترة زمنية محددة وقد يؤرخ بها ولها، وهناك بعض النصوص الشعرية حيث نجد فيها الإحداثيات socio-historique"السوسيو تاريخية"تشكل جزءًا من بنية العمل الشعري وليس ملصقات على جسد القصيدة حتى إذا ما عمدنا إلى إسقاطها بقيت القصيدة عارية إلا من بعض الأحاسيس البدائية والعواطف الفجة.
ومن خلال المعاينة والاحتكاك بالنصوص نلاحظ أن الأشعار التي خلدت وبقيت متداولة بين الناس على مر العصور وعبر الحضارات الثقافية، هي النصوص الشعرية التي خلدت مآثر الأمم والمجتمعات فمن"إلياذة هوميروس"إلى"إلياذة فرجيل"، ومن"رسالة الغفران"إلى"الكوميديا الإلهية"، ومن"الشاهنامة"إلى"البنكتنترا"حيث نجد التاريخ حجر الزاوية في بنائها وتعبيرها.
وفي العصر الحديث تصدى باحث آخر في بحث هذه العلاقة الإشكالية بين الشعر والتاريخ مطبقًا إياها على النصوص الأدبية من بداية عصر النهضة الأوروبية، والكاتب هو (ايمري نيف ـ Emery Nef) ، وعنوان مؤلفه هو"المؤرخون وروح الشعر" (دراسة لإسهام الأدب والعلوم الأدبية في تدوين التاريخ منذ عهد فولتير) ، وهذا الكتاب مترجم إلى العربية ونشرته دار الحداثة، والكتاب انطلق من نفس المنطلق النظري الذي حدده أرسطو ولكنه اتخذ طابعًا تطبيقيًا من خلال رصده لتجليات التاريخ خلال النصوص الأدبية واستقرائه للخطاب التاريخي الذي يعانق الخطاب الشعري والأدبي ويتوحد معه.
ويكشف هذا الكتاب عن بعض النصوص التي جاء فيها التاريخ صريحًا وبعضها الآخر الذي طرق التاريخ بصور مجازية واستعارية، وكشف عن النصوص ذات الدلالة التاريخية والتي ساعدت المؤرخين على تقصي بعض الحقائق وإماطة اللثام عنها.
وإذا رجعنا إلى بحث ماهية الخطاب التاريخي والخطاب الشعري فإننا نلاحظ أنهما يتقاطعان في أكثر من نقطة ـولعل أهم نقطة تقاطع يلتقي عندها الخطابان هي اللغة ـ فكل من التاريخ والشعر خطاب لغوي بالأساس، أي يستعمل اللغة كأداة للتوصيل، ولكن على الرغم من اشتراك الخطابين في اللغة إلا أن دلالتها ووظيفتها تختلف من خطاب إلى آخر ـ فبنية اللغة الشعرية هي بنية مجازية استعارية وظيفتها إثارة الإحساس وتحريك الوجدان ـ بل الإشارة إليه بصيغة غير