الصفحة 5 من 25

بهذا المعطى يمكن اعتبار اللغة زمرة مقفلة تنغلق على أسرارها وحيويتها، وتتمتع، في الوقت عينه، بفعل تحريضي يساعدها على التجديد بقدر ما يسمح لها أن تتفرد بحق الإلغاء والتوليد، والتحويل والترميز والإفصاح والإبانة والكشف، في معادلات كلامية تضمن النسبية المنطقية بين نشاط الفكر ونشاط اللغة، وهذه النسبية تؤمنها قوانين تشكيل داخلي ينتجها العقل الإنسانيّ، وتلتزم بها الأنساق اللغويّة، وذلك وفق أسس منطقية توازن بين صورة المُدرَك وحقيقته، وبين الدال والمدلول عليه، وبين اللفظ ومعناه، وبين التصورات الذهنية وأشكالها اللغويّة، وذلك مهما تنوّعت التراكيب، وتعدّدت السياقات وتمايزت تأويلاتها.

يمنح السياق الكلمات معاني جديدة من دون أن تتخلى عن معناها الوضعي أو تنفصل عنه، فتضمر اللغة مجموعة من الدلالات والفاعليات والارتياضات التي لا تنتهي، ويصير السياق طاقة تحويل وتوليد تتحصن داخله قيمة التراكيب اللغويّة المرتبطة بالكلّ السياقيّ في كينونة أوجدتها علاقات تعالقية، منحت العنصر اللغوي دلالات تجاوزت بها المعنى الوضعيّ، من دون أن تفخخه، فأسست عمليتا الارتباط بالجذر والتحرر من سلطته المعجمية لدراسات غايتها الكشف عن طبيعة علاقات النظم السياقي، وعن قوانين تشكّله الداخليّ، التي تضبط حركية عناصر اللغة في متحد لغويّ، له خصائصه ومقوماته الذاتية، بوصفها قوانين مُحرِّضة غير مقيدة، تضمن حصانة تركيب العناصر اللغويّة، وتمنحها، في الوقت عينه، حرية التطور والتطوير الدلاليين ضمن فضاءات التداولات اللغويّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت