تتضمنه من صور وخيال وملامح حقيقية للحياة في الصحراء، ويوضح الفرق في المعنى بين كلمتي السحاب والمزن الواردتين في الأبيات. وهو بهذا التفصيل أعطى القارئ صورة جلية ناصعة للفكر والتراث العربي من حيث البيئة والثقافة واللغة إلى غير ذلك مما يمتع القارئ ويزيد في تأثره وتقديره لهذه المعلقة ولصاحبها. ومما لا شك فيه أن مجرد الاكتفاء بالترجمة لهذه المعلقة ما كان سيفيها حقها على الاطلاق.
وفي موضع آخر يقول لبيد واصفًا قطعان الظباء والبقر الوحشي:
"والعينُ عاكِفة على أطْلائِها ... عوذًا تَأَجَّلُ بالفَضَاءِ بِهامُها"
زُجَلًا كأن نِعاجَ تُوضِحَ فَوقَها ... وظِباءَ وجْرَةَ عُطَّفًا أرْآمُها" [1] "
في هذين البيتين ذكر لبيد الظباء في أكثر من لفظة، فالعين هو وصف الظبية والغزال واالبقرة الوحشية باتساع عينيها وقد أُغفل الاسم لمعرفة العربي بذلك الوصف، والأطلاء جمع الطلا وهو ولد بقر الوحش في شهره الأول، أما العوذ فهي جماعة الحديثات الإنتاج من البقر الوحشي، والإجل هو القطيع منها وكذلك الزجل، أما النعاج فهي أنثى بقر الوحش، والأرآم ومفردها الرئِم هي الظباء الخالصة البياض.
فهل سيتمكن المترجم بعد كل هذا الترادف الغنيأن يقدم ترجمة ترقى إلى هذا المستوى؟ لقد أدرك المترجم الأمريكي وليام بولك صعوبة المهمة ولكن ذلك لم يثنه عن عزمه على نقل هذه المعلقة الرائعة إلى اللغة الإنكليزية بغية تخليدها وإعطائها صفة العالمية، ولإعطاء القصيدة حقها قام بولك أولًا بترجمة الأبيات ترجمة شبه حرفية، وأقول شبه حرفية لأنه اضطر إلى إضافة كلمات شارحة أو توضيحية لحرفية الكلمات وذلك لقصور الإنكليزية عن الإتيان بمرادف حقيقي في كثير من الأحيان وخاصة في حالة الترادف التي نحن بصددها. ثم أضاف بولك التعليق والشرح على كل بيت بجانب الصورة الفوتغرافية المناسبة التي التقطها في صحراء النفود، هذا بالإضافة إلى المقدمة الطويلة التي بدأ بها كتابه"القصيدة الذهبية" (The Golden Ode) ، والتي يشرح فيها الأغراض المطروحة في القصيدة ويعرف القارئ بالتقاليد الشعرية العربية القديمة بحيث لا يترك القارئ يبحر في خضم هذه المعلقة بدون سفينة ولا ربان. ولا أرى سوءًا في كثرة
(1) المعلقات العشر .. مصدر سابق ص 82