(أنَّ) أداة ربط وإظهار لا أداة توكيد
د. عمر يوسف عكاشة
مَدارُ هذا البحثِ على الأداةِ (أنَّ) ، وذلكَ من الوجهتيْن الدلاليَّةِ والتركيبيَّةِ. ويَهْدِفُ البحثُ حَسْبَ الوجهةِ الأولى، إلى نفي دلالةِ التوكيدِ التي إليها يَعْزو أكثرُ الباحثينَ القدامى والمُعاصِرينَ دخولَ (أنَّ) الجملة، وتبيان أنَّها دلالة مَفروضة عليها فرضًا مِنْ خارج التركيبِ، لأسبابٍ قد تُصَنَّفُ في خانةِ التوهُّمِ والاستقراءِ الناقص. ويَتبيَّنُ من الشواهِدِ والأمثلةِ العديدةِ، أنَّ مجيءَ (أنَّ) في الجملةِ لا يُرَدُّ إلى نوعٍ واحدٍ من التراكيبِ، بل هو مَحكومٌ بأنماطٍ تركيبيَّةٍ ثلاثةٍ. يَدُلُّ أولُها على التوكيدِ بتأثيرِ عناصرَ لغويَّةٍ تُرافِقُ (أنَّ) ، فيما يُشيرُ النمطان الثاني والثالثُ إلى دلالتين تقِفان على الطرفِ النقيضِ من التوكيدِ، هما: دلالة الإمكان والاحتمال، ودلالة الشكِّ والظنّ.
ولذلكَ كانَ ضروريًّا بعدَئذٍ تجاوزُ تلكَ الدلالة، والانتقالُ إلى تفسيرٍ آخر لورودِ (أنَّ) في التراكيبِ"المختلفةِ دلاليًّا"، فلم يَكُنْ بُدٌّ من تقريرِ أنَّ دُخولَ (أنَّ) التركيبَ إنَّما مَرَدُّهُ إلى"سببٍ تركيبيٍّ"ليس غير، ذلكم هو الربطُ بينَ الأسانيدِ المُتفاصِلةِ، وأنَّ هذا الدخولَ كانَ مَصحوبًا بشروطٍ تركيبيَّةٍ مخصوصةٍ، أفضتْ - مِنْ ثَمَّ - إلى دلالةٍ أخرى هي الإبراز أو الإظهار. وقد جَلّى البحثُ بهذا الصنيع ضرورة الاعتمادِ على تفسيرِ الظاهرة الدلاليَّة بوصفِها إحدى مُعْطياتِ التركيبِ.
وكانَ مِنْ أهمِّ نتائج البحثِ إثباتُ كونِ (أنَّ) أداة للربطِ الإدْماجيِّ لا التوفيقيِّ، وتفسيرُ سببِ رَفضِ العربيَّةِ أنْ تقعَ (أنَّ) أولَ الجملةِ صَدْرًا، وتفسيرُ لماذا تربطُ اللغة بينَ الأسانيدِ بالضميرِ أحيانًا وبالأداةِ (أنَّ) أحيانًا أخرى.