فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1099

بكى والده حتى اخضلّت شعرات لحيته البيضاء .. ثم أدخل يده في جيب حمزة فوجد"الشموع"وفي جيبه الآخر"متون طالب العلم".. وقد تقاطر عليها دمه الزكي ..

قبض والده على يده وقال: حمزة حبيبي إذا تسمعني شد على يدي؛ فارتخت يد حمزة .. فبكى والده، وحمل الشموع ثم قال: والله لأوصلنها لك يا بُنيّ ..

قطرات الدم الزكية انسكبت على الشموع والمتون؛ لتنير لشباب الأمة الطموح طريقه وتسطر لهم قصة مسربلة بدم الهداية والجهاد!

أتى والده بكتبه؛ فتأثرت حين رأيت إرثه .. حمزة لم يترك خلفه دفاتر حب وغرام، بل ترك دفاتر علم وقرآن .. وجدت قرآنه الأحمر ودفتره الأزرق، وكتيبات التوبة والجهاد ..

قلَّبت في أوراقه؛ فوجدت أوراق"التجويد"التي أعطاها أبو البراء لحمزة .. فأحسست بلوعة فكتبت بمدادها على صفحة الورق:"من شهيد إلى شهيد"..

ووجدت في القصاصة:

لئن لم نلتقي في الأرضِ يومًا ... وفرّق بيننا كأسُ المنون

فموعدنا غدًا في دار خلدٍ ... بها يحيى الحنُون مع الحنونِ

حينما استشهد"أبو البراء"حزن"حمزة"لفراقه فحكى لوالده كثيرًا عنه، أتاني والده مهنئًا وعيونه تفيضُ من الدمع .. وحين استشهد حمزة رأيت الدمعات مرة أخرى ..

توجهت إلى بيت"حمزة"لأهنئهم وداخلي روحٌ مشطورة، شطرها فراق أبي البراء ثم حمزة .. رحلوا فوفيت بوعدي لحمزة لزيارته ولكني دخلت بيتهم وحيدًا ..

قبل استشهاد"حمزة"بيومين سلمت عليه في المسجد ورأيت معه طفلًا فقبلته، وبعد استشهاده رأيت الطفل الذي كان معه حزينًا فقبلته أخرى وقلبي مفطورٌ عليه!

في العزاء .. رأيت الصغار الذين كان يعلمهم القرآن ويأخذهم إلى المسجد وعلى وجوههم مسحة حزن لفراق حبيبهم ومعلمهم ..

رأيت على عيون الأطفال بريقًا لامعًا .. بريقًا يبشر"حمزة"أن قلوبهم الصغيرة التي سقاها من دمعه وبذل لها مهجته ودمه ستنتفض لتكمل طريق العزة ..

قبل استشهاده أرسل لقريب له مقصر محاضرة"أحوال العابدين"للأسيف: خالد الراشد .. ثم لام نفسه المقصرة في قيام الليل أمام ذهول قريبه!

صبّرت والده فقال: والله صابر يا ولدي، لكن إجباري نحزن على هذه الوُرود التي تربي الأجيال وتنصر الأمة .. لو واحد مثلنا مات ما حزنا عليه!

خرجت من بيت"حمزة"وداخلي خليط من الحزن والفرح داخل روحٌ مثلومة ثلمها رحيل الصحاب .. واحدًا تلوَ الآخر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت