وأقبل الشهيد يومها على ساحات الجهاد يعد ويرابط ويجاهد، يعد الكتائب ليدق بها دولة الباطل، ويفك أسر أقصى المسلمين من اليهود الذين يدنسون ساحاته وشرفاته ومساطبه، وهو بهذه النقلة البعيدة يعطي درسا عمليا للدعاة والعلماء في الأرض أن هذا هو الطريق إن كانوا جادين في العمل لهذا الدين، وإن كان في نظرهما إن هذا المنعطف في حياة الإنسان مليء بالمخاطر وبمستقبل مجهول، لأن هذا العمل وهذا الطريق هو الذي يؤمن به المسلم مستقبله إلى الأبد بالفوز بالجنان والفردوس الأعلى.
إن الشيخ الشهيد أراد أن يعطي أصحاب المراكز الحساسة والدرجات العالية الذين يسعون ليلا ونهارا من أجل الترقية والدرجة في الوظيفة لينالوا في النهاية تقاعدا لهم ولأولادهم أن الجهاد لم يفرض فقط على هؤلاء الفتية والشباب الذين باعوا أغلى ما يملكون من دنياهم، وهذا المتاع الرخيص بجنة عرضها السموات والأرض، وإنما الجهاد فريضة لازمة في عنق كل مسلم وإن كان من الأغنياء أو الزعماء، وقد ضرب لهم الشهيد مثلا أعلى في نفسه، بل من قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يتخلف عن غزوة، ولم يكن يرسل أصحابه أو بعضهم ويجلس ينظر إليهم.
لقد أفهم الشهيد عزام بطريقة عملية أنه عند النفير لايستثنى أحد لا من الزعماء ولامن الأغنياء، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بلالا وصهيبا وعبد الله بن مسعود ويقول لهم: أنتم اذهبوا وقاتلوا ولا بأس أن يراق دمكم دفاعا عن غيركم، أما أنتم: أمثال عبد الرحمن بن عوف والصديق لا تذهبوا إلى الجهاد لأهميتكم ومركزكم الرفيع في مجتمعكم، ولكن الله تعالى خاطب الجميع بقوله:
؛إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير «.
(التوبة: 93)
كان العاملون في الحقل الإسلامي يتخوفون من إراقة الدماء، فقدم الشهيد روحه في سبيل الله وسفك دمه ليكون - بطريقة عملية - عبرة لهم ودرسا بليغا ; أن شجرة هذا الدين لا تستوي على ساقها ولا تزهر ثم تثمر إلا بدماء الشهداء العلماء، فهل من مدكر؟!