الأفعالِ الأُخْرى الدّالَّةِ عَلى القَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُروفِهِ، وَلا تَرْقى تلك الأسبابُ مِنْ بَعْدُ -بِأَيِّ حالٍ مِن الأَحْوالِ- إلى مُسْتَوى الأدلَّةِ التي تؤكِّدُ أَوْ تُرَجِّحُ أَنْ تَكونَ الحِكايَةُ، بَعْدَ ما فيهِ مَعْنى القَوْلِ، بقَوْلٍ مَحْذوف [1] .
أَقولُ: إِنَّنا نَجِدُ -مِن النّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ الوَصْفِيَّةِ الماثِلَةِ أَمامَ أنظارِنا- أَنَّ الكَلامَ المَحْكِيَّ حِكايَةً في القُرْآنِ يَجيءُ تالِيًا ما انْطَوى مِن الأَفْعالِ عَلى مَعْنى الْقَوْلِ دونَ لَفْظِهِ. أَيْ أَنَّ فعلَ القولِ الرَّئيسَ، الذي يَقومُ -في المُسْتَوى السَّطْحِيِّ الظّاهِرِ- بالنقلِ الحرفيِّ اللفظيِّ للكلام، قد يَكونُ مِن غيرِ ألفاظِ (القول) ، أَيْ مِنْ أفعالٍ تُضاهي القَوْلَ ولا تُطابِقُهُ.
وَمَهْما قيلَ في المَسْأَلَةِ، فَإِنَّ رَأْيَ البَصْرِيّينَ وَمَنْ شايَعَهُمْ يَبْقى مُضَعَّفًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَصْطَدِمُ بِحَقيقَةِ أَنَّ الكَلامَ المَحْكِيَّ بَعْدَ طائِفَةِ الأَفْعالِ الدّالَّةِ عَلى القَوْلِ دونَ لَفْظِهِ قَدْ يَكونُ مَبْدوءًا بِالأَداةِ (أَنَّ) ، فَلا يُمْكِنُ -حَسْبَ الطَّرْحِ النَّحْوِيِّ الكلاسيكيِّ- مَجيءُ (أَنَّ) صَدْرَ مَقولِ فِعْلِ القول (قالَ) . (أَنَّ) لا تَرِدُ مِن المَقولِ أَوَّلًا بَعْدَ الفعلِ (قالَ) أَوْ أَيٍّ مِنْ تَصريفاتِهِ، بَلْ: (إِنَّ) . وأَنْ تَأْتِيَ (أَنَّ) بَعْدَ (نادى) وَ (أَوْحى) وَما حاقَلَهُما كَثيرٌ، كَقَوْلِ مَوْلانا: [2]
- {فنادَتْهُ الملائكةُ وهو قائمٌ يُصَلّي في المِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بيَحْيى مُصَدِّقًا بكلِمةٍ مِن الله وسيِّدًا وحَصورًا ونَبِيًّا مِن الصالِحين} [3] .
- {وأَيّوب إذ نادى رَبَّهُ أنّي مَسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحِمين} [4] .
- {إذْ يوحي رَبُّكَ إلى الملائكةِ أنّي مَعَكُم فَثَبِّتوا الذينَ آمَنوا} [5] .
- {وأوحِيَ إلى نوحٍ أنَّهُ لن يُؤمِنَ مِنْ قومِكَ إلا مَنْ قد آمَنَ فلا تَبْتَئسْ بما كانوا يَفعَلون} [6] .
- {فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعضٍ} [7] .
وإِنْ تَعْجَبْ -في هذا الصَّدَدِ- فَعَجَبٌ صَنيعُ"فاضل صالح السّامرّائيّ"، الذي نَقَلَ -اسْتِشْهادًا عَلى الحِكايَةِ بِما فيهِ مَعْنى القَوْلِ- آيَتَيْنِ مِن هَمْع السُّيوطِيّ سَبَقَ أَنْ أَوْرَدتُهُما، وَهُما: {وَنادَوْا: يا مالِكُ، لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} ، وَ: {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ: لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمينَ} ، إِلا أَنَّ"السّامرّائيّ"أَسْقَطَ آيَةً ثالِثَةً أَوْرَدَها السّيوطِيُّ نَفْسُهُ بينَ هاتينِ الآيَتَيْنِ، لأَنَّها -في تَقْديري- تَضادُّ رَأْيَ البصريّينَ الذي يَتَبنّاهُ هُوَ. هذِهِ الآيَةُ هِيَ: {فَدَعا رَبَّهُ أَنّي مَغْلوبٌ فَانْتَصِرْ} [8] . فَإِنَّ اسْتِقْدامَ فِعْلِ القَوْلِ المُقَدَّرِ هنا، مِنْ أَيِّ طَريقٍ، سَيَؤولُ بِتَقْديرِ الآيَةِ إِلى مِثْلِ:"فَدَعا رَبَّهُ فَقالَ:"
(1) انظرها في: السّامرّائيّ، الجملة العربيَّة تأليفها وأقسامها: ص 210 - 211.
(2) ثَمَّةَ مَلْحَظٌ -لا يَخْلو مِنْ طَرافَةٍ وَجدَّة- أَفَدتُّهُ مِنْ كَلامٍ أَوْرَدَهُ السّامِرّائيّ، بيدَ أَنَّهُ مُحْتاجٌ إِلى مَزيدٍ مِنَ النَّظَرِ وَالبَحث. مفادُهُ أَنَّ مَجيءَ (أَنْ) أَوْ (أَنَّ) بَعْدَ ما فيهِ مَعْنى القَوْلِ يَعْني أَنَّ المَقولَ المَنْقولَ يُفيدُ المَضْمونَ أَو الفَحْوى، وَلا يُفيدُ نَصَّ الحِكايَةِ:"فَإِذا قُلْتَ: (أَمَرْتُهُ أَن اذْهَبْ) كانَ المَعْنى: أَمَرْتُهُ بِالذّهاب، وَلا يَعْني ذلِكَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِعِبارَةٍ مُعَيَّنَة، فَلا يَتَعَيَّنُ أَنَّكَ قُلْتَ لَهُ: (اذْهَبْ) ، بَلْ يَكونُ ذلِكَ بِأَيِّ عِبارَةٍ تُفيدُ هذا المَعْنى، كَقَوْلِكَ: (انْصَرِفْ) أَوْ (لا تَبْقَ هُنا) أَوْ (امْضِ مِنْ هُنا) أَوْ (سافِرْ) أَوْ نَحو ذلِك" (السّامِرّائيّ، الجملة العربيَّة: تأليفها وأقسامها، ص 213) . وَإِذا صَحَّ هذا كُنّا بِإِزاءِ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ ثالِثٍ يَقِفُ موقفًا وَسَطًا بَيْنَ الحِكايَةِ وَالإِخْبار، لا هُوَ بِالحِكايَةِ وَلا هُوَ بِالإِخْبار: هُوَ مِنْ جِهَةِ الأُسْلوب مَحْكومٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْقولٌ بِنَصِّهِ، وأَمّا الحَقيقَةُ فهِيَ أَنَّهُ لَمْ يُلْتَزَمْ فيهِ بِأَلْفاظِ القائِل، لِذلِكَ فَهُوَ -مِنْ هذِهِ الجِهَةِ- مُتَصَرَّفٌ فيه مُغَيَّرٌ عَنْ وجهتِه.
(3) آل عمران 3: 39.
(4) الأنبياء 21: 83.
(5) الأنفال 8: 12.
(6) هود 11: 36.
(7) آل عمران 3: 195.
(8) القمر 54: 10.