الصفحة 21 من 39

وَمِمّا يُشاكِهُ السّابِقَ، أَنَّ (قالَ) كثيرًا ما يَرِدُ لنقلِ الاستفهامِ بصيغتِهِ الأصليَّة، كقولِهِ: {فإنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} [1] ، و: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فيقولُ: ماذا أُجِبْتُمْ} [2] ، و: {فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالوا: كيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا} [3] ، و: {يَوْمَ نَقولُ لِجَهَنّمَ: هلِ امْتَلأتِ وتَقولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ} [4] . وكانَ مُمْكِنًا، أَوْ مُتَوَقَّعًا، أنْ يُنْقَلَ الاسْتِفْهامُ بأسلوبِ الإخبارِ (غيرِ المُباشَرِ) : (سَأَلوا عَنْ / يَسْألُ عَنْ / نَسأل إِذا كانَتْ قَدْ) .

وَإِضافَةً إِلى إيرادِ القرآنِ العظيمِ صيغَتي الأمرِ والاستفهامِ بعدَ فعلِ القولِ، يفعلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ مع التَّمَنّي والنفي والقَسَم، وَغَيْرِها. مَثَل التَّمَنّي: {وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفوا عَلى النّارِ فقالوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ} [5] ، و {فَأَجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلةِ قالَتْ يا لَيْتَني مِتُّ قبلَ هذا} [6] ، إِذْ هُما على معنى: (تَمَنَّوْا / تَمَنَّتْ أَنْ ... ) -عَلى التَّوالي-. ومَثَلُ مَجيءِ النَّفْيِ بعدَ فعلِ القولِ: {قالوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّينَ} [7] ، و {قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} [8] ، وَهذانِ -عَلى التَّتابُعِ- على معنى: (نَفَوْا أَنْ / رَفَضَ أَنْ) . وَأَمّا القَسَم فمثالُهُ: {قالوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نوح لَتَكونَنَّ} [9] ، وهذا على تقديرِ (أَقْسَموا ... ) .

الحِكايَةُ بِما فيهِ مَعْنى القَوْلِ:

ثَمَّةَ خِلافٌ بَيْنَ النُّحاةِ حَوْلَ الحِكايَةِ بِما فيهِ مَعْنى القَوْلِ، نَحْوَ: (نادَى) ، وَ (دَعا) ، وَ (وَصّى) ، وَ (أَوْحى) ، وَ (سَأَلَ) ، وَ (أَذَّنَ) ، وَ (قَرَأَ) . فَالكوفِيّونَ يُجَوِّزونَ الحِكايَةَ بِهذِهِ الأَفْعال وَنَحْوِها إِلْحاقًا لَها بِالقَوْلِ [10] ، نَحْوَ: {وَنادَوْا: يا مالِكُ، لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} [11] ، وَ {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ: لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمينَ} [12] . وَالذي عَلَيْهِ البَصْرِيّونَ أَنَّهُ لا يُحْكى إِلا بِالقَوْلِ، وَأَنَّ الحِكايَةَ التي تَتْلو ما فيهِ مَعْنى القَوْلِ إِنَّما هِيَ بِقَوْلٍ مَحْذوفٍ. وَيَبْدو أَنَّ رَأْيَ البَصْرِيّينَ لاقى اسْتِحْسانَ طائِفَةٍ مِن النُّحاةِ وَالباحِثين. قالَ ابنُ هِشامٍ:"وَيَشْهَدُ لِلْبَصْرِيّينَ التَّصْريحُ بِالقَوْلِ في نَحْوِ: {وَنادى نوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ، إِنَّ ابْني مِنْ أَهْلي} [13] ، وَنَحْوَ: {إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. قالَ: رَبِّ، إِنّي وَهَنَ العَظْمُ مِنّي} [14] " [15] .

وَقَدْ رَجَّحَ"فاضل صالح السّامرّائيّ"رَأْيَ البصريّينَ للسَّببِ نفسِهِ، ولأسبابٍ أُخرى مِنْ عِنْدِهِ كُلُّها ليستْ بِذاتِ مَقْنَعٍ إِطْلاقًا. فَهِيَ جَميعُها تُثْبِتُ -عَلى أَحْسَنِ تَقْديرٍ وَأَبْعَدِ احْتِمال- أَنَّ فِعْلَ القوْلِ (قالَ) يَخْتَلِفُ حَسْبُ عَنْ

(1) النساء 4: 141.

(2) المائدة 5: 109.

(3) مريم 19: 29.

(4) ق 50: 30.

(5) الأنعام 6: 27.

(6) مريم 9: 23.

(7) المدّثّر 74: 43.

(8) يوسف 12: 66.

(9) الشّعراء 26: 116.

(10) انظر: ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ص 539. و: السّيوطيّ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، ج 1، ص 502. وانظر: السّامرّائيّ، الجملة العربيَّة تأليفها وأقسامها: ص 210.

(11) الزّخرف 43: 77.

(12) إبراهيم 14: 13.

(13) هود 11: 45.

(14) مريم 19: 3 - 4.

(15) ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ص 539.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت