يقرر الحاكم سجن الرجال الإثني عشر إلى أن يلقيهم في النار، غير أن مساعده المؤمن سيعمل على تهريبهم بدعوى أنهم كسروا باب السجن وهربوا ولحق بهم مائة من الرجال للقبض عليهم، ولم يبق في السجن إلى إبراهيم وحده، لأنه لم يرد أن يهرب."عندها قالوا له:"فلنحرق إذن هذا الذي وجدناه"وأخذوه وقادوه إلى رؤسائهم. وقال له:"أين هم الذين كانوا معك؟"وقال:"كنت نائما بعمق في الليل. وعندما استيقظت لم أجدهم."وأخذوه وبنوا أتونا وأشعلوا النار فيه. ورموا في الأتون الحجارة المحرقة بالنار. وعندها أخذ يكتام الذي أذابه الألم أبرام ورماه في الأتون مع الآجر. لكن الله حرض هزة أرضية عنيفة وأفلتت النار من الأتون في شعلات وشرارات من الشعلات وأحرقت جميع الذين كانوا خول وأمام الأتون ( ... ) أما أبرام فلم يصب ولو بجرح بسيط بسبب حرق النار. وقام أبرام من الأتون وذاب أتون النار. وهكذا أنقذ أبرام" [27]
هكذا حكى لنا كتاب الآثار التوراتية قصة نجاة إبراهيم من النار.
نفس القصة يعيد تلاوتها علينا القرآن الكريم محتفظا بكل أبعادها الدينية والإنسانية، حيث يقول تعالى:
"فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) [28] "
وقال تعالى:"وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) [29] "
كان القرآن الكريم مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومعيدا لأربعين في المائة من المعاني المخفية من قصة إبراهيم والمبعدة عن الكتب القانونية.
وبذلك كانت التلاوة القرآنية تستحضر جوانب أساسية من الدين تم تغييبها في التقليد اليهودي، وعلى رأسها موضوع التوحيد وموضوع البعث كما رأيناه في هذا المبحث. وتستبعد في المقابل موضوع النسب والعنصرية والأرض الذي أدى إلى جعل أبي إبراهيم هو الذي يخرج بابنه من أرضه، وهو ما أبطله القرآن كما أبطلته نصوص يهودية