الصفحة 13 من 26

ومعلوم أن لفظة (اللغة) كانت تُطلق عند النحاة واللغويين على عدة معان زيادة على ما يُفهم

من تحديد ابن جني لها، وهو اللسان بوجه عام. وقد تنبهنا سابقا إلى أن المفهوم العام الذي عُرف للفظة اللغة لم يُستنبط في الحقيقة إلا بعد نهاية القرن الثاني الهجري، وأن الأصل في الدلالة عليه هو ما استعمله القرآن الكريم؛ حيث لا توجد كلمة أخرى لهذا المدلول غير اللسان. إن النحاةَ وغيرَهم من العلماء العرب يطلقون غالبا على مفهوم الدراسة العلمية لظاهرة اللسان بصفة عامة لفظ (علم اللسان) ؛ يقول الفارابي في إحصاء العلوم:

"علم اللسان في الجملة ضربان: أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم ما يدل عليه شيء منها،"

والثاني علم قوانين تلك الألفاظ." [1] ثم يقسم هذا العلمَ إلى أجزاء سبعة عظمى ويشرحها. فإذا نظرنا إلى الفكر اللغوي عند دي سوسير نرى بوضوح وجلاء تفريقه الاصطلاحي بين اللغة من حيث كونُها ظاهرة إنسانية عامة مجردة تتحقق فعليا من خلال اللسان الذي يمثل الظاهرة الاجتماعية التواصلية؛ فلولا اللسان ما عرفنا بوجود اللغة أصلا، ومن خلال هذه التقابلية بين المصطلحين يكون اللسان أخص في التعبير عن التواصل"

من اللغة التي تعد هنا مفهوما عاما مجردا؛ فاللسان مؤسسة اجتماعية ونظام قائم بذاته من أجل التواصل: نظام عُرفي مكتَسَب يتفرع إلى أنظمة أدنى داخل الجماعات الإنسانية من أجل التعبير؛ لنرى اللسان العربي بتنوع لهجاته، واللسان الإنجليزي، والفرنسي ... إلخ. لقد أخرج دي سوسير اللغة والكلام (الذي يمثل عنده مفهوما فرديا ينتمي إلى اللسان، ويشمل الملامح الفردية المميزة لأداء شخص ما أثناء الحديث مع الآخرين)

من موضوع اللسانيات تماما. وإذا نظرنا إلى الترجمة اللاتينية لكتاب إحصاء العلوم التي قام بها Girardo Gremonensi في القرن الثاني عشر الميلادي فسنلاحظ ورود هذه العبارة داخل الترجمة:

في جميع الكتب مضمون مصطلح Linguistics على أنها: The Science of Language، والتسمية بهذا المفهوم الذي وجده الأوروبيون في كتاب الفارابي لم يَسبق

(1) الفارابي: إحصاء العلوم، تحقيق وتعليق عثمان أمين، طبعة الأنجلو المصرية، طـ 3، 1986، ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت