التزامنية المتتابعة (47) ، إذ إن ما يكون تزامنيا في هذا الزمان - أو في فترة محددة سابقة أو لاحقة - يصبح تعاقبيا بعد حين لما تشهده اللغة من تطور مستمر.
--- ... قال أبو عبيد: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف [يعني الألفاظ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق
إن الأساس الذي يمكن من خلاله أن نوفق بين المؤيدين والمنكرين لوقوع الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم - أو في لسان العرب عموما - ليكمن في اختلاف وجهتي النظر باختلاف المنهج المطبق، وهو الأمر الذي ذكرنا أنه لم يغب عن فكر بعض القدماء من أصحاب العقول الراجحة، يقول ابن فارس:» قال أبو عبيد: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف [يعني الألفاظ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق « (48) ، وجاء عن الجواليقي في نفس المعنى - بعد أن أورد مذهب ابن عباس وغيره ممن قالوا بوقوع ألفاظ كثيرة من غير لسان العرب ومذهب من خالفهم في ذلك كأبي عبيدة -» وكلاهما مصيب إن شاء الله. وذلك أن هذه الحروف [يعني الألفاظ أيضا] بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعربته، فصار عربيا بتعريبها إياه فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل. فهذا القول يصدق الفريقين جميعا « (49) .
والذي يؤكد هذا الاعتبار ويزيد النفس إليه طمأنينة قول ابن عطية، وهو أحد المثبتين بقوة لوقوع مثل هذه الألفاظ في لسان العرب والقرآن الكريم:» فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه « (50) .
الثاني، يقول (كما نجد القرطبي، وهو ممن يميلون إلى القول بالمذهب ذلك بأن منهم عند حديثه عن لفظ(القسيس) في قوله تعالى قوله تعالى: قسيس [المائدة 82] :» ولفظ ين ورهبانا الروم ولكن خلطته العرب (القسيس إما أن يكون عربيا وإما أن يكون بلغة بكلامهم فصار من لغتهم، إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدم «(51) . وهذا قد يعني أن الذين قالوا بعدم وجود كلمات أعجمية في القرآن الكريم - والقرطبي منهم - لا ينكرون أن أصل بعض الكلمات في القرآن غير عربي، وأن العرب باستعمالها ونعريبها له جعلته عربيا، وبهذا الوجه نزل به القرآن عربيا.
• مما تقدم نصل إلى أن من قال بوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم نظر إلى أصلها - على الرغم من تعريب العرب لها وإخضاعهم إياها لمقاييس اللغة العربية وقواعدها عل اختلاف مستوياتها الصوتي أو الصرفي أو التركيبي .. - وهذه نظرة تاريخية، ومن قال إن القرآن كله عربي نظر إلى واقع اللغة وقت نزول القرآن ومخاطبته العرب بما يستعملون، أي أن نظرته كانت نظرة وصفية آنية، وبهذا حكم القرآن على نفسه بأنه عربي مبين.
* الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الأغواط / الجزائر
41)ميشال زكريا، الألسنية (علم اللغة الحديث) المبادئ والأعلام. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت. ط 2. 1983. ص 146.
42)انظر: نفس المرجع ص 226 - 227