وليتحدى العرب العرباء به ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة (5) . واستدل بعضهم على ذلك بأن ما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم (6) ، أي أن ما وقع في القرآن مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات (7) ، ورُدّ بأنه بعيد وأنه يجب أن تكون إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر مع عدم دفع جواز الاتفاق قليلا شاذا (8) . كما نجد أن فكرة توافق اللغات قد استبعدها فقه اللغة الحديث (9) .
وقال أبو عبيدة فيما حكاه الزركشي عن ابن فارس:"إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول، قال: ومعناه أتى بأمر عظيم) (10) ، واحتج بقوله تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) [الزخرف 03] (11) هذا، وقد حكى ابن فارس أيضا عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف في ذلك ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء والمنع إلى أهل العربية (12) ."
هذه خلاصة ما ذهب إليه العلماء في قضية الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم سردتها باقتضاب دون تفصيل دقائقها، لأن الغرض هو أن يقف القارئ على هذا الاختلاف، فإن أراد التوسع فليعد إلى بعض المصادر التي اعتمدتها في هذه الدراسة أو إلى غيرها، وهي كثيرة.
--- ... يقول ابن فارس: وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل، فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آي من القرآن، ثم خلف من بعدهم خلف فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وما دلتهم الدلالة عليه.
إن الذي يهمنا هنا هو أن الاختلاف بين العلماء قديما - وحديثا كما سنرى - موجود، وهذا الاختلاف لا يدعونا بالضرورة إلى أن نقف إلى جانب أحد المذهبين ونصف أصحاب المذهب الآخر بعدم العلم أو عدم المعرفة أو حتى الكذب!، كما فعل بعض المحدثين عن قصد أو عن غير قصد، فلا يجوز أن يُقْدِم أحد على العلماء المشهود لهم - وهذا لا يعني أنهم معصومون - فينسبهم إلى الجهل ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله عز و جل، فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن، وكما يقول ابن فارس:"وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل، فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آي من القرآن، ثم خلف من بعدهم خلف فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وما دلتهم الدلالة عليه" (13) ، وهذا لا ينفي كون بعض العلماء أفقه وأعلم بالتأويل من بعض، فقد ذهب الجواليقي إلى أن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هو إلى غيره، وأن كليهما مصيب إن شاء الله (14) .
وإذا ما انتقلنا إلى دراسات المحدثين في هذا الشأن ألفينا نفس الخلاف، فقد انقسم المحدثون قسمين:
قسم ذهب إلى وقوع هذه الألفاظ الأعجمية في القرآن، وقسم نفى ذلك وأرجع كل ما يعتقد أنه أعجمي إلى أصول عربية، كما أظهر بعض الباحثين شيئا من الوسطية فقالوا بوقوع النزر القليل من هذه الألفاظ ثم تزيّد بعض المتأخرين من العلماء وتكثروا (15) .
فمن الذين أثبتوا وقوع الألفاظ الأعجمية في القرآن نجد الدكتور حلمي خليل في كتابه (المولد في العربية) ، الذي يرى أن العربية في تاريخها الطويل لم تنج من تأثير اللغات الأخرى أو تأثيرها في اللغات الأخرى، ناهيك عن صلتها بما حولها من أمم وما جاورها من بلاد كبلاد فارس وبلاد الروم .. ، وأن كل هذا وغيره يدل دلالة قاطعة على أن اللغة العربية احتكت بمعظم اللغات القديمة سواء من العائلة السامية أم من العائلات الأخرى (16) . وقد سوغ له ذلك القول أن:"كلام القرآن الكريم ليبدو فوق طاقة البشر في توازنه وتجانسه وانسجامه، ومع ذلك لم يمنع أن ترد في هذا الكتاب الكريم ألفاظ مما اقترضتها العربية من اللغات الأخرى أثناء احتكاكها بهذه اللغات أو المتكلمين بها، وذلك باعتبار أن هذه الألفاظ أصبحت ملكا خالصا للعرب والعربية ولها من الدلالات ودقة الاستعمال ما لا تغني معه ألفاظ أخرى .." (17) .
ولكنه - رغم ذلك - يلاحظ على بعض القدماء عدم الدقة التي اتسمت بها أحكامهم في نسبتهم بعض تلك الألفاظ إلى لغات بعينها، ملتمسا لهم العذر لأن المحدثين ممن لهم دراية بفقه اللغة الحديث وقعوا في مثل هذه الأخطاء، ولأنهم - أي القدماء - لم يلموا بفكرة العائلات اللغوية وفصائلها وحركاتها التاريخية إلماما دقيقا (18) .
ونراه يقول بعد ذلك بوجود قدر من الألفاظ المشتركة بين العربية وغيرها من اللغات السامية، وأن هذه الألفاظ هي التي تسجل عدم دقة القدماء أحيانا في إصدار أحكام بنسبة بعضها إلى لغات معينة (19) ،