الصفحة 6 من 9

ونستطيع أن نقارن هذا بما هو معروف عند المناطقة بـ (منطق الجهة) ، أي أن الإنسان أو الباحث إذا نظر إلى شيء واحد من جهتين - أو زاويتي نظر - مختلفتين فسيؤدي به ذلك حتما إلى اختلاف وجهة نظره وتصوره لذلك الشيء باختلاف الجهتين، وقد يكون بين الوجهتين أو التصورين تناقض واضح لا يستطيع في ضوئه الجمع بينهما لما في ذلك من خرق لقانون: (المتناقضان لا يجتمعان على شيء واحد باعتبار واحد) . ونستطيع التمثيل لذلك بوضع شخصين أمام زجاجة ممتلئة النصف (أو إن شئت فارغة النصف) ، فيصفها أحدهما بأنها زجاجة ممتلئة النصف، ويصفها الآخر بأنها فارغة النصف؛ فهل يجوز والحالة هذه أن نحكم على أحدهما بأنه مصيب وعلى الآخر بأنه مخطئ؟! أم يجب علينا أن نراعي الجهة التي نظر من خلالها كل منهما وأن نحكم عليهما معا بالصواب.

أعتقد أن مسألة المنهج كما تشير إلى ذلك الدراسات اللسانية المعاصرة مسألة مهمة جدا في هذا الصدد، وعلى الباحث اللغوي قبل أن يخوض في درسه للظواهر اللغوية العامة، أو في تعقيبه على بعض الدراسات السابقة له، أن يضع لنفسه منهجا واضحا دقيقا وأن يراعي ذلك حتى عند غيره ممن سبقه من العلماء والدارسين الذين يريد التعقيب على أعمالهم أو وصفها وصفا صحيحا على الأقل. وما أغلب الانتقادات التي توجه إلى الدرس اللغوي في جميع مستوياته عند القدماء والمحدثين من المجددين إلا من هذا القبيل، أي أنها تتعلق في جانب كبير منها بمسألة المنهج.

--- ... تفريق بعضهم بين نظرة المؤيدين لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ونظرة المنكرين لذلك، وهو تفريق دقيق يستمد شرعيته من الفرق المنهجي بين التاريخية والوصفية، أو ما قد يسمى بالمحور التاريخي (Diachronie) والمحور التعاصري (Synchronie) .

ولا أريد أن يصل القارئ هنا إلى نتيجة أنفيها نفيا قاطعا، وهي أن ما وصلت إليه الدراسات الحديثة والمعاصرة في مجال المنهج كان، في عمومه، غائبا عن فكر علماء العربية قديما، بل لقد كانت لهم ملاحظات دقيقة في هذا المجال، ولكنها تعتبر إرهاصات لم تجد من يرعاها بعدهم.

ولعل خير دليل على ذلك فيما نحن بصدده تفريق بعضهم بين نظرة المؤيدين لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ونظرة المنكرين لذلك، وهو تفريق دقيق يستمد شرعيته من الفرق المنهجي بين التاريخية والوصفية، أو ما قد يسمى بالمحور التاريخي (Diachronie) والمحور التعاصري (Synchronie) * ، حيث تبدأ الدراسة التاريخية بدراسة ظاهرة من الظواهر اللغوية في عصر تاريخي مبكر ثم تنزل بها إلى عصور أحدث، وهي بذلك توصف بأنها عمودية؛ فهي تعتبر تعاقب الأزمنة والعصور عنصرا مهما من عناصر تطور اللغة وتغيرها. في حين تعالج الدراسة التعاصرية ظاهرة من الظواهر اللغوية إلى جانب الظواهر المرتبطة بها في العصر نفسه (أي آنيا، ولذا يطلق عليها بعضهم صفة أو مصطلح الدراسة الآنية) ، وهي بذلك توصف بكونها أفقية؛ إذ تتوجه إلى الأحداث اللغوية آنيا (أي في فترة معينة) وتعالجها على أساس واقع حالي ينعكس فيه جوهر اللغة وشكلها وطبيعتها (41) .

--- ... انتقد اللغوي الشهير سوسير الدراسات المقارنة التي كانت سائدة وقتئذ في خلطها - في نهجها التحليلي - بين البعد التاريخي وبين التنظيم اللغوي، ذلك أن اللغة برأيه هي في كل لحظة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت