ولكن ذلك عنده لا يقلل من جهود علماء العربية القدماء، وذلك لأن حصر الكلمات التي اقترضتها العربية من اللغات الأخرى أو بالنسبة لأي لغة أخرى مع معرفة أصولها البعيدة والطريق التي سلكتها عند دخولها إلى العربية أمر يحفه الغموض أحيانا (20) . ثم يستدرك قائلا:"وعلى الرغم من اشتراك اللغات السامية في هذه الألفاظ فليس معنى ذلك إطلاق القول بأن العربية لم تقترض من اللغات السامية كلها أو بعضها، إذ لا شك أن بعض الألفاظ، التي أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة أنها دخلت العربية، من بعض اللغات السامية" (21) .
ويصل الدكتور حلمي خليل، بعد كل هذا، إلى حقيقة مهمة عنده، وهي أنه قد يكون من السهل إلى حد ما ردّ كلمة معربة إلى مصدرها الأول إذا كان هذا المصدر من عائلة لغوية أجنبية عن العربية، أما إذا كانت اللفظة من عائلة لغوية واحدة فإن الأمر عسير، إذ لا بد على الأقل من أن تكون الكلمة في هذه الحالة منتمية فكريا وحضاريا بشكل واضح إلى غير المجتمع الذي انتقلت إلى لغته أو أن تكون بلا سلسلة اشتقاقية (22) ، لأنه إذا كان للكلمة عنده سلسلة اشتقاقية غير كاملة في العربية أو غيرها حكم عليها بعدم أصالتها في تلك اللغة، أما إذا كانت هذه السلسلة كلها موجودة في العربية فإن القول بأنها معربة باطل، إذ يمكن اعتبارها والحالة هذه من التراث العام للغات السامية كلفظ (القدس) مثلا (23) . وهو بذلك لا ينفي اشتراك اللغات في ألفاظ بعينها، مما ذكر بعض القدماء أنها انحدرت إلى العربية من لغات محددة، وهذا ما دفعه إلى انتقاد بعض الدارسين المحدثين لمبالغتهم في إلحاق ألفاظ عربية أصيلة العروبة بمصادر سامية أخرى، ذاكرا أن الطريقة المثلى في حالة هذا المشترك يكون بيانها بذكر الألفاظ المشتركة بين اللغات السامية دون القول بأن العربية أو غيرها هي التي أخذت إلا عندما يثبت الانتقال بما لا شك فيه من الظواهر الصوتية والصرفية بالإضافة إلى الأدلة التاريخية و الحضارية، وهو ما لا نعدمه عند بعض الدارسين. أما إذا كانت هذه الألفاظ من مجموعات لغوية أخرى فإن المرجح هو تحقيق وجود اللفظة العربية بمعناها في أصل كامل التصرف له سلسلة واضحة من الاشتقاقات قبل أن نقول برأي في أصالة هذه الألفاظ أو عدم أصالتها في العربية (24) ، فأساس الحكم عنده إذن يكمن في تصرف الألفاظ التي يشك في أصالتها في العربية تصرفا كاملا مما يولد سلسلة من الاشتقاقات، وهو ما لا يقبل به بعض المنكرين كما سنرى.
وقد ختم الدكتور حلمي خليل بحثه في هذه القضية بأن ظاهرة الاقتراض من لغات أخرى ظاهرة طبيعية ولا خطر فيها كما توهم بعض القدماء والمحدثين، وأنها وسيلة من وسائل النمو اللغوي، وأن ذلك لا يعني فتح الباب في المقابل على مصراعيه لتدخل منه الألفاظ الأجنبية كيف شاءت، بل لا بد من مراعاة شرط العوز والحاجة، بالإضافة إلى صبها في قوالب عربية؛ وأن هذا هو السر في تشدد مجمع اللغة العربية بالنسبة للتعريب وإصداره لقراره بأن ذلك يكون عند الضرورة (25) .
هذا، ويمثل قسم المنكرين الأستاذ أحمد محمد شاكر الذي يرى أن أساس السلسلة الاشتقاقية الذي وضعه الدكتور حلمي خليل قد لا تتحقق لنا معرفته، وفي ذلك يقول:"والعرب أمة من أقدم الأمم ولغتها من أقدم اللغات وجودا، كانت قبل إبراهيم وإسماعيل وقبل الكلدانية والعبرية والسريانية وغيرها بله الفارسية، وقد ذهب منها الشيء الكثير بذهاب مدنيتهم الأولى قبل التاريخ، فلعل الألفاظ القرآنية التي يظن أن أصلها ليس من لسان العرب ولا يعرف مصدر اشتقاقها، لعله من بعض ما فقد أصله وبقي الحرف [أي اللفظ] وحده ثم تزيد بعض العلماء المتأخرين وتكثروا في ادعاء العجمة لألفاظ من حروف القرآن" (26) ، وهو بذلك ينكر إنكارا تاما القول بوجود كلمات غير عربية في القرآن الكريم. ولكنه لا يثبت على هذه الحجة دائما في رد بعض الألفاظ التي ذكر الجواليقي في معربه أنها غير عربية، فمرة يرى هذا الرأي ومرة يرى أنها مما اتفقت فيها اللغات، وأخرى يفترض لها أصلا لا علاقة له بمعناه، ونحن نعلم أن من شروط الاشتقاق من أي لفظ أن تكون المشتقات مجتمعة على المعنى العام الذي وضع له ذلك الأصل، ودليلنا على ذلك قول ابن جني في تعريف الاشتقاق الذي نحن بصدده:".. كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغه ومبانيه، وذلك كتركيب (س ل م) فإنك تأخذ منه السلامة في تصرفه، نحو سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم: اللديغ؛ أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة. وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته ..." (27) ، وفي رأي رابع يرى الأستاذ شاكر أن ذكرها في القرآن فقط دليل عربيتها، وكأنه يحتكم في ذلك إلى قوله تعالى:) إنا أنزلناه قرآنا عربيا ( [يوسف 02] .
كما نجد الدكتور فهمي خشيم من الذين قدموا دراسة وافية لرد ما يعتقد أنه من الألفاظ الأعجمية في القرآن - وفي غير القرآن - إلى أصول عربية تنفي عنها العجمة، وقد استهل حديثه في ذلك بما يعتقد أنه أساس الخلاف بين القدماء وهو صرفهم معنى (عربي) في الآيات التي جاءت في وصف القرآن الكريم بأنه كذلك، كمثل الذي جاء في [يوسف 02 - الرعد 37 - طه 113 ... وغيرها] ، فقد صرفها القدماء على أنها نسبة إلى أمة العرب ولغتهم بتحديد قومي ولغوي معيّن وربما عرقي!، ثم يذكر أن هذه الدلالة وإن كانت تجيز مقابلتها بدلالة (أعجمي) فإنه ليس ثمة ما يمنع من فهم (عربي) بمعنى: الواضح الجلي غير الغامض، مؤيدا ذلك بدلالة الجذر (ع ر ب) على البداء والظهور، وبورود الصفة (مبين) (28) .وهذا يمكن أن يُرد بما قرره هو نفسه في موضع آخر حين ذكر - في حديثه عن لفظ (مرجان) - أنه