قال رحمه الله: (إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد، يدبر أمره، و {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ... وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية تعبّد العبيد، والتشريع لهم في حياتهم، وإقامة الموازين لهم فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام نفسه للناس إلها من دون الله، وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو، عندما يتعبد الناس الناس، عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له فيهم حق التشريع لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون: {أنا ربكم الأعلى} ، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به ... وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد ... ) .
إلى قوله: (قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ... } ... ) .
إلى قوله: (إنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئا، لا بشرا ولا حجرا، ودعوة إلى ألا يتخذ بعضنا بعضا من دون الله أربابا، لا نبيا ولا رسولا، فكلهم لله عبيد، إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية، {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ... } ) .
إلى قوله: (وهذه المقابلة بين المسلمين ومن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون، المسلمون هم الذين يعبدون الله وحده، ويتعبدون لله وحده، {ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابا من دون الله} ، هذه من خصيصتهم من سائر الملل والنحل، وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعا، وإما أن تتحقق هذه الخصيصة فهم مسلمون، وإما ألا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسلمون ... ) .
إلى قوله: (إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ... يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء ... إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين ... وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس - في صورة من الصور - ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع وهذه المجموعة التي تُخْضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله، ويسمحون لها بادعاء الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، إن لم يسجدوا ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله ... ) .
إلى قوله: (والإسلام - بهذا المعنى - هو الدين عند الله ... وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله، لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور العباد إلى عدل الأديان ... فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله، مهما أوّل المؤولون، وضلل المضللون ... إن الدين عند الله الإسلام) [20] اهـ.