اعلم - يا أخي المسلم - أن الفتوى هي"معرفة الواجب في الواقع"، فمن كان جاهلا بالواقع الذي هو موضع السؤال أو جاهلا بالحكم الشرعي الواجب في هذا الواقع، فلابد من أن يخطئ في الفتوى.
قال ابن القيم رحمه الله:(ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) [54] .
وقال رحمه الله: (ذكر عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال:(لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.
الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.
الخامسة: معرفة الناس).
ثم قال ابن القيم: (وأما قوله:"الخامسة معرفة الناس"؛ فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يُفسد أكثر مما يُصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر، له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمُحِق بصورة المُبْطِل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مَكْر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق) [55] .
والذي نراه بالنسبة لفتوى الشيخ ابن باز؛ أنها خطأ.
وسبب الخطأ فيها أن الشيخ - إحسانا للظن به - نرى أنه لا يدرك حقيقة الواقع الذي أفتى فيه، ونرى أنه لا يدرك أن الانتخابات ما هي إلا جزء من