الصفحة 34 من 50

هذه طريقة الطائفة المنصورة وبهذا قال ابن تيمية رحمه الله:(إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت

الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا اكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه) [1] . ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها) [2] .

وشروط كفر المعين هي:

1)العلم: وذلك بان يعلم المسلم أن هذا العمل كفر ويقابله من الموانع الجهل فمن اجل الجهل ارتفع التكفير، فمن لم يتبين له الأمر فلا تنزل نصوص الوعيد عليه.

2)قصد القول أو الفعل الكفري: وليس المراد (قصد الكفر) لانه استحلال قلبي وهو مذهب المرجئة الجهمية، ويقابله من الموانع الخطأ، أي: أن يقع القول أو الفعل دون قصد كسبق اللسان أو السهو ويدل له قوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا) قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الذي رواه مسلم (قد فعلت) .

3)الاختيار: ويقابله من الموانع الإكراه قال تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) .

4)التأويل غير السائغ: ويقابله من الموانع التأويل السائغ، ويدل له اتفاق الصحابة على عدم تكفير الذين استحلوا الخمر لانهم تأولوا قوله سبحانه (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا) بجواز شرب الخمر مع التقوى والإيمان رواه عبد الرزاق، على أن الخمر محرمة تحريما قاطعا ولكن الصحابة لم يكفروهم لوجود الشبهة وهي تأويلهم للآية الكريمة.

وأعلم أن التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرا اكبر مخرجا من الملة.

ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر فقال:(أيما امرئ قال

لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه).

وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به، لوجود مانع يمنع من كفره، وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، كما في الإرث، سببه القرابة، مثلا، وقد لا يرث بها لوجود مانع يمنع من كفره وهكذا فان مسائل الأسماء والأحكام (الكفر والإيمان) من المسائل الشائكة جدا ولا يصح إطلاق الكفر على شخص بعينه

(1) مجموع الفتاوى (الكيلانية) (12/ 466) .

(2) الدرر السنية (8/ 244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت