وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [1] - رحمه الله - (( وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك ) ) [2] .
وقال في موضع آخر: (( وكان سفيان الثوري يذكر من السنة المسح على الخفين؛ لأن هذا [3] كان شعارًا للرافضة ) ) [4] .
ب - إذا كان الإسلام وسطًا بين الملل، فإن أهل السنة وسط بين النحل؛ ففي الطهارة كان الإسلام وسطًا بين تشدد اليهود وتفريط النصارى، كما أن أهل السنة وسط بين الإفراط والتفريط في هذا الباب.
بيّن شيخ الإسلام وسطية الإسلام في باب الطهارة قائلًا: (( فإن التشديد في النجاسات جنسًا وقدرًا هو دين اليهود، والتساهل هو دين النصارى، ودين الإسلام هو الوسط ) ) [5] .
ويقول في موضع آخر: (( ومن تدبَّر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين: هؤلاء في طرف، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط ... إلى أن قال: فالنصارى حللوا الخنزير وغيره من الخبائث. كما أسقطوا الختان وغيره، وأنواع الطهارة من الغسل وإزالة النجاسة وغير ذلك .. واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات ) ) [6] .
وأما عن وسيطة أهل السنة بين الإفراط والتفريط الواقع عند طوائف المبتدعة، فأهل السنة مجانبون للتشدد والإفراط، فيأمرون بالصلاة في النعال مخالفة لليهود [7] ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ) ) [8] .
وقال ابن القيم [9] : (( ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلًا منه وأمرًا ) ) [10] .
ويجيز أهل السنة الصلاة في السراويل خلافًا للخوارج.
قال البربهاري: (( ولا بأس بالصلاة في السراويل ) ) [11] .
وقال الملطي [12] : (( ومن شذوذ الحرورية في الفروع إذا تطهر منهم الرجل لا يبرح ولا يمشي حتى يصلي في مكانه؛ لأنه إذا مشى تحرك شرجه، ولا يصلون في السراويل ) ) [13] .
وجانَبَ أهلُ السنة تعنُّتَ الرافضة الذين زعموا أن سؤر الكافر نجس، بل قالوا بتنجيس المائعات التي يباشرها أهل السنة، وكل ذلك تأثرًا باليهود السامرة التي تحرِّم وتنجِّس ما باشره غيرهم من المائعات [14] .
ومن تشدد الرافضة: إيجابهم الابتداء باليمين في اليدين والرجلين عند الوضوء [15] ، ولذا قال الإمام النووي: (( وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على
(1) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، أفتى ودرّس وهو دون العشرين، وله مئات التصانيف، توفي سنة 728هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 387، والدرر الكامنة 1/ 154.
(2) منهاج السنة النبوية 4/ 174.
(3) أي ترك المسح على الخفين.
(4) مجموع الفتاوى 22/ 423= باختصار.
(5) مجموع الفتاوى 12/ 18، 19، وانظر اقتضاء الصراط المستقيم.1/ 188.
(6) الجواب الصحيح 2/ 52، 53 - باختصار، وانظر منهاج السنة النبوية 5/ 171.
(7) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 181، ومجموع الفتاوى 22/ 166.
(8) أخرجه أبو داود، ك الصلاة ح (652) ، والحاكم في المستدرك، ك الصلاة (1/ 260) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي 2/ 432.
(9) هو الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، برع في علوم متعددة، وكان جريء الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذهب السلف، وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، توفي بدمشق سنة 751هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير 14/ 234، والدرر الكامنة 4/ 21.
(10) إغاثة اللهفان 1/ 230، 231.
(11) شرح السنة ص 27.
(12) هو محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي العسقلاني، فقيه مقرئ توفي سنة 377هـ.
انظر: طبقات الشافعية للسبكي 3/ 77، ومعجم المؤلفين 8/ 275.
(13) التنبيه والرد ص 68.
(14) انظر تفصيل ذلك في منهاج السنة النبوية 1/ 37، 5/ 174، وفقه الشيعة الإمامية لعلي السالوس ص 77.
(15) انظر فقه الإمامة لعلي السالوس ص 94.