واعلم رحمك الله أن أشياء، من أنواع الشرك الأكبر، وقع فيه بعض المصنفين، على جهالة، لم يفطن له، من ذلك، قوله في البردة
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وفي الهمزية جنس هذا، وغيره أشياء كثيرة؛ وهذا من الدعاء، الذي هو من العبادة، التي لا تصلح إلا لله وحده؛ وإن جادلك بعض المشركين؛ بجلالة هذا القائل، وعلمه وصلاحه، وقال بجهله كيف هذا؟ فقل له أعلم منه وأجل، أصحاب موسى، الذين اختارهم الله، وفضلهم على العالمين، حين قالوا (يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) [الأعراف 138] فإذا خفي هذا على بني إسرائيل، مع جلالتهم، وعلمهم، وفضلهم؛ فما ظنك بغيرهم؟
وقل لهذا الجاهل أصلح من الجميع وأعلم، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لما مروا بشجرة، قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) ففي هذا عبرتان عظيمتان.
الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح، أن من اعتقد في شجرة، أو تبرك بها أنه قد اتخذها إلهًا، وإلا فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون أنها لا تخلق، ولا ترزق، وإنما ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بالتبرك بها، صار فيها بركة.
والعبرة الثانية أن الشرك، قد يقع فيمن هو أعلم الناس، وأصلحهم، وهو لا يدري، كما قيل الشرك أخفى من دبيب النمل؛ بخلاف قول الجاهل هذا بين نعرفه.
فإذا أشكل عليك من هذا شيء، وأردت بيانه من كلام أهل العلم، وإنكارهم جنس الشرك، الذي حرمه الله، فهو موجود؛ وأعني كلام العلماء في هذا، إن أردت من الحنابلة، وإن أردت من غيرهم.
والله أعلم