شرع لمن قبلنا من النبيين والمرسلين، وأمرنا أن نستقيم على دينه المنزل، ولانتفرق عنه، ولانفرقه فنؤمن ببعضه، ونكفر ببعضه، ولانفترق فيه، بل نسمع له ونطيع، ونجتمع على تحكيمه كله لابعضه.
وبين لنا أن المشركين هم الذين يكبر عليهم أن تستقيموا على حكم الله تعالى، وما شرع لكم من الدين.
ولم يقل سبحانه فيما اختلفنا فيه، فحكمه إليكم، بل حكمه إليه وحده، لأنه رب الناس وملك الناس وإله الناس، ذلك أنه لما كانت له الربوبية علي العالمين بالخلق والتدبير والإنعام والتصرف المطلق، كان له وحده الحق بأهم خصائص الملك وهو الامر والنهي والحكم، وكان له وحده حق أن يعبد دون سواه.
وقال أيضا: {يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا * ألم تر إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشّيطان أن يضلّهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرّسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودا} .
فبين في هذه الآية أن الواجب على أهل الإيمان التحاكم على شريعة الله في كل صغير وكبير، وان الذين يرغبون عن شريعة الله، إلى غيرها هم المؤمنون بالطاغوت، الذين أضلهم الشيطان ضلالا بعيدا، وأنهم هم المنافقون الذين يصدون عن تحكيم شريعة الله في كل صغير وكبير صدودا.
وليس في هذا الأمر الإلهي تعطيل للعقل، بل فيه إنزاله منزلته، وهو أنه جهاز خلقه الله ليتلقى الوحي، ويتفكر فيه ويفهمه، ويمتثله، ويستعمر الأرض بما يتوافق مع الوحي، وليست وظيفة العقل أن ينصب نفسه ندا لوحي الله تعالى، يعترض عليه، أويعقب عليه، أو ينسخه ويبطله، فيجعل نفسه إلها شريكا مع الله تعالى، وندا لله، وربا من الأرباب، كما يفعل اللادينيون المشركون بالله.
رابعا:
في قوله: (وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لاتمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين) .
وهذا النص مناقض لحكم الله تعالى، الذي يفرق في الحقوق والواجبات بين الناس على أساس الدين، فحقوق المسلم تختلف عن حقوق الكافر، وواجباتهما أيضا تختلف، ولا يجوز التسوية بين المسلم والكافر في الأحكام، بل ذلك من أعظم الظلم، لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه الصحيح، والكافر عطل سبب وجوده في الكون، وجحد خالقه، وخان أوامره، والله تعالى رب هذا الوجود كله، سيد الكون، وخالق الإنسان، وواهب الأوطان، وما فيها، له الملك كله، وإليه يرجع الملك كله، فكيف يكون الجاحد لربه، مساويا للمؤمن به المستقيم على دينه، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.