فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 433

…إن الإنسان يحرث الأرض ويلقى البذور فيها فيخيل إليه أنه هو الذى زرع! أى أنه هو الذى أنبت الزرع! فهل حقيقة هو الذى يصنع ذلك؟ وهل هناك قوة في الوجود كله - إلا القدرة الربانية المعجزة - تستطيع أن تحرك البذرة للنمو، وتخرج منها ذلك الزرع المختلف الألوان والأشكال والطعوم؟ ترى لو أن الله لم يودع هذه البذرة سر الحياة، هل كان أهل الأرض جميعًا يستطيعون أن يحركوها من مكمنها لتنمو وتثمر؟! من أجل ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (( أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) )؟ ثم يلفت الحس إلى جانب آخر من المسألة يغفل عنه الإنسان حين يتبلد حسه على المشهد المركور، فينسى ما فيه من إعجاز الله القدير، إن الإنسان تعود أن يرى الزرع ناميًا ينتقل من مرحلة إلى مرحلة حتى تطلع الثمرة، فيظن - في غفلته- أن الأمور تسير هكذا من تلقاء ذاتها. وأنه لابد حين يضع البذرة أن تنمو حتى تخرج له الثمرة، وينسى أن الله هو الذى يخرجها له، من أجل ذلك يقول الله له: (( لو نشاء لجعلناه حطامًا فظللتم تفكهون(65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون ))! فلو شاء الله لم ينتبه أصلًا، ولو شاء كذلك أنبته ثم جعله حطامًا دون أن يثمر! ولو حدث ذلك لظللتم تقلبون القول بينكم، تقولون: غرمنا جهدنا ومالنا ولم يثمر الزرع، أو تقولون: وقع علينا الحرمان!

…والإنسان يرى الماء نازلًا من السماء ولكنه يغفل - حين يتبلد حسه- عن أن الله هو الذى أنزله، فيتوهم أنه ينزل هكاذ من تلقاء نفسه، أو قد يصيبه الغرور كما وقع من الإنسان المعاصر الذى يعيش في الجاهلية الحديثة المسيطرة على الناس في أوربا مع كل ما عندهم من التقدم المادى، فيظن أنه هو الذى ينزل المطر من السماء؛ لأنه استطاع أحيانًا أن يلقى مواد معينة بالطائرات فوق السحب فيسقط المطر !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت