واجتناب الشيء هو أن تجعله في ناحية غير الناحية التي تكون فيها، لا أن تلوث نفسك في خبائثه، وعليه لا يجوز للمسلم بأي حال من الأحوال أن يجاري الطواغيت ويركن إليهم، قال سبحانه: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 75] .
قال الطبري رحمه الله تعالى:(يقول تعالى ذكره: ولولا أن ثبتناك يا محمد بعصمتنا إياك عما دعاك إليه هؤلاء المشركون من الفتنة، {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} ؛ يقول: لقد كدت تميل إليهم وتطمئن شيئا قليلًا وذلك ما كان صلى الله عليه وسلم هم به من أن يفعل بعض الذي كانوا سألوه فعله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر حين نزلت هذه الآية، ما حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قوله {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
القول في تأويل قوله تعالى: {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الأسراء: 75] ؛ يقول تعالى ذكره: لو ركنت إلى هؤلاء المشركين يا محمد شيئًا قليلًا فيما سألوك إذن لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات) . أهـ جامع البيان.
وقال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 8 - 9] .
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: (يقول الله تعالى، لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فلا تطع المكذبين} ؛ الذين كذبوك وعاندوا الحق، فإنهم ليسوا أهلًا لأن يطاعوا، لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم، وهم لا يريدون إلا الباطل، فالمطيع لهم مقدم على ما يضره، وهذا عام في كل مكذب، وفي كل طاعة ناشئة عن التكذيب، وإن كان السياق في شيء خاص، وهو أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسكت عن عيب آلهتهم ودينهم، ويسكتوا عنه، ولهذا قال: {ودوا} ؛ أي: المشركون {لو تدهن} أي: توافقهم على بعض ما هم عليه، إما بالقول أو الفعل أو بالسكوت عما يتعين الكلام فيه، {فيدهنون} ولكن اصدع بأمر الله، وأظهر دين الإسلام، فإن تمام إظهاره، بنقض ما يضاده، وعيب ما يناقضه) . أهـ تفسير السعدي.
فإذا كان مجرد الركون والمداهنة إثمًا عظيمًا يستحق أصحابه عليه غضب الله ولعنته، فكيف بمشاركتهم والتعامل معهم بل ومعاونتهم؟.
والقاعدة التي بنى عليها القوم مذهبهم على غير ما يظنون، فالأخذ بالمصالح المرسلة جائزة إذا ما تعارضت مع النصوص الشرعية، أو ما كان في أصله مباحًا يتوصل به إلى