والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوِّض إليه في فعل لا يعارضه فيه فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك، وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز، والأول أولى لما ذكرنا، [قد يظن البعض أن مجلس الشعب مفوض للأعضاء فيه الاصلاح بغير معارصة، فنقول: كما بينا أن الوظائف غير مجلس التشريع الذي أساسه الشرك، والمفوض في هذا المجلس هو التشريع من دون الله عز وجل لا الإصلاح (وذلك سيتضح أكثر بإذن الله عند بيان ذلك في مناقشة تعديل مادة دستورية) وإلا فالمعلوم أن الطاغوت يعارض في المناجاة بشرع الله، وذلك عند كل ذي فهم، إلا من طلب الجدال] ، يقول القرطبي: قال الماوردي: فإن كان المولى ظالمًا فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين:
أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده، لأن يوسف ولى من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره.
الثاني: أنه لا يجوز ذلك لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم [وهذا نفسه أكثر في مسألتنا من ذلك، وهو اعتقاد الناس مشروعية المجلس، فلا يحذروا الشرك الواقع عليهم] ، فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف عليه السلام من قبل فرعون بجوابين:
أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحًا، وإنما الطاغي فرعون موسى.
الثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه.
قال الماوردي: وأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يجوز لأهله فصله من غير اجتهاد في تنفيذه، كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص (أي النص الشرعي) على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه (القائم بالوظيفة) قد أغنى عن التقليد (أي اتباع حكم الحاكم) .
والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به، ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم، لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق.