وعندما يورد رحمه الله الحالات التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر .. نجده يذكر في ضمنها ما كان واقعًا مؤسفًا يعصف ببلاد المسلمين، ويغضب الرب جل جلاله، فيقول في ذلك:
(( الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتفريعًا وتشكيلًا وتنوعيًا وحكمًا وإلزامًا ومراجع مستمدات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات مرجعها كله إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشرعية، وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر؟! )) [1] .
ويذكر الشيخ - أيضًا - أن البلد التي يحكم فيها بالقانون (أي الوضعي) ليس بلد إسلام، فيجب الهجرة منها. [2] .
ويتجلى فقه الشيخ لواقعه، وإدراكه للمزالق التي وجدت في عصره مما يصادم تحكيم شرع الله، حيث كان بصيرًا بالقوانين الوضعية وأخطارها، ومن ثم اتخذ موقفًا حازمًا تجاه أي هيئة أو مؤسسة ذات حكم وضعي ..
فمن ذلك رفضه لنظام الغرفة التجارية التي يراد أن تكون مرجعًا لحل الخلافات التجارية الواقعة، ويصف هذا النظام بأنه (( مصادمة لما بعث الله به رسوله من الشرع الذي هو وحده المتعين للحكم بين الناس ) ) [3] ، ولذا يتم تعديل نظام هذه الغرفة، ومع ذلك فنجد الشيخ يعلن موقفه من هذا التعديل - قائلًا: (( إن اسم حكم وحاكم في فض النزاع والخصومات في الحقوق والأموال ونحوها لا يسوغ منحه لأي شخص مهما بلغ من الحنكة والتجارب والمرانة في الأمور إلا لشخص استضاء بنور الشرع المحمدي ) ) [4] .، ثم يقول بعد ذلك: (( لذا نرى لزامًا إحالة كل نزاع إلى المحاكم الشرعية فهي التي من حقها أن تقوم بفض النزاع وفصل الخصومات وإعطاء كل ذي حق حقه بالطرق الشرعية ) ) [5] .
ولا يكتفي الشيخ بهذه المطالبة الجادة فحسب، بل يقوم بتسطير خطاب آخر مطالبًا بوجوب وتعيّن إلغاء الغرفة التجارية، وكان مما قاله عن أهل تلك الغرفة: (( وإن كانوا يخدعون عبّاد المادة،
(1) المرجع السابق 12/ 289، 290.
(2) انظر المرجع السابق 6/ 188.
(3) المرجع السابق 12/ 250.
(4) المرجع السابق 12/ 252.
(5) المرجع السابق 12/ 254.