وتلك حروب من يغب عن غمارها ليسلم يقرع بعدها سنة نادم
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه"إغاثة اللهفان": (من كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه: فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنه بهذا فقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف اوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} ، المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة:"يعظمهم في صدوركم"، ولهذا قال تبارك وتعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم) أهـ.
نعم فإن خوف الله تعالى إذا ملأ قلب العبد لم يعد في هذا القلب مكانًا لخوف غيره سبحانه، وإذا استشعر العبد عظمة الله تعالى وأنه سبحانه ذو القوة المتين، المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الآخذ بنواصي العباد كلهم واستحضر معيته، تحاقرت وصغرت وتضاءلت في نفسه جميع قوى الأرض ولم يعبأ بها، وإذا استحكم التوكل واليقين في صدره وعلم أن ما أخطأءه ما كان ليصيبه وما أصابه ما كان ليخطئه، وأن لو اجتمع الجن الإنس على أن يضروه، لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه؛ ثبته الله وربط على قلبه، فلو اجتمعت قوى الأرض جميعها عند ذلك ما زعزعته عن طريقه ولا ردته عن عقيدته الحقة ولما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} .