الصفحة 13 من 29

علي قول أكابرهم آن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه الا الله وان معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها - فعلي قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما انزل الله عليهم من هذه النصوص الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن او كثير مما وصف به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاما لا يعقلون معنله، وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة والنصوص المثبتة للآمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة والوعيد والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة، ومعلوم آن هذا قدح في القرآن والأنبياء اذ كان الله انزل القرآن واخبر انه جعله هدي للناس، أمر الرسول آن يبلغ البلاغ المبين وان يبين للناس ما نزل إليهم أمر بقدير القرآن وعقله ومع هذا فاشرف ما فيه وهو ما اخبر به الرب عن صفاته او عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم او عن كونه آمر ونهي ووعد وتوعد او عما اخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين، وعلي هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الآمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما ينافي ذلك لان تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوزان يستدل به فيبقي هذا الكلام سدا لباب الهدي والبيان من جهة الأنبياء وفتحا لباب من يعارضهم ويقول آن الهدي والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لانا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا عن آن يبينوا مرادهم فتبين آن قول آهل التفويض الذين يزعمون انهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال آهل البدع والإلحاد الي آخر كلامه رحمة الله.

واما قول الشارح قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين، واما آهل التأويل فآبوا الا آن يفسروا ويؤولوا حتى خالفوا سلف الآمة وأئمتها وابتدعوا في ذلك وكل بدعة ضلاله انتهي.

فاعلم يا آخى آن هذا القول الذي نسبه الشارح الي ابن عباس رضي الله عنه وغيره من الصحابة آن كان صحيحا ثابتا فليس معنادما وهمه الشارح من آن نصوص الكتاب والسنة الواردة في أسماء الله وصفاته [1] مما يوهم تشبيها فيكون من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله، وانه مما لا يعقل معناها وأنها لا تفسر وقد تقدم بيان ذلك في معني التفويض ونزيد ذلك إيضاحا بما قاله شيخ الإسلام ابن تميمة قدس الله روحه في هذا الكتاب حيث قال: واما تاويل ما اخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي اخبر عنها وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك و ربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم والكيف مجهول 0 وكذلك قال ابن الماجشون واحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون آنا لا نعلم كيفية ما اخبر الله عن نفسه وان علمنا تفسيره ومعناه 0 ولهذا رد احمد بن حنبل علي الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتاولوه علي غير تاويلة فرد علي من حمله علي ما أريد به وفسر هو جميع الآيات المتشابهة وبين المراد به 0 وكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن وكانوا يقولون آن العلماء يعلمون تفسيره وما أريد به وازلم يعلمون كيفية ما اخبر الله به عن نفسه وكذلك لا يعلمون كيفيات الغيب فان ما أعده الله لأوليائه من النعم ما لا عين رأته ولا آذن سمعته ولا خطر علي قلب بشر، فذاك الذي اخبر به لا يعلمه الا الله بهذا المعني فهذا حق 0 واما من قال آن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه الا الله فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله وقالوا انهم يعلمون معناه كما قال مجاهد عرضت المصحف علي ابن عباس من فاتحته الي خاتمته اقف عند كل آية و أساله عنها، وقال ابن مسعود في كتاب الله آية الا و آنا اعلم فيم أنزلت وقال الحسن البصري ما انزل الله آية الا وهو يحب آن يعلم ما أراد بها 0 ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين كما قال مسروق ما نسال أصحاب محمد عن شيء الا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه 0 وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة الا في كتاب الله بيانها، وامثال ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة مما ليس هذا موضع بسطة انتهي0

(1) كذا في النسخة فلما آن تكون"انه"هنا تأكيدا لانه في أول الجملة واما آن تكون سبق قلم فان ما بعدها خبر لانه الأولى، وحاصل المعني آن النصوص المذكورة ليست من المتشابه الذي لا يعقل كما توهم الشارح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت