الصفحة 11 من 29

قالوا لا قسيم له ولا جزء له ولا شبيه له فهذا الفظ وان كان يراد به معني صحيح فان الله ليس كمثله شيء وهو سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمدو الصمد الذي لا جوف له وهو السيد الذي كمل سؤدده فانهم يدرجون في هذه نفي علوه علي خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفي ما ينفونه من صفاته ويقولون أن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما وان يكون له شبيه. أهل العلم يعلمون أن مثل هذا لا يسمي في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبا وانقساما ولا تمثيلا وهكذا الكلام في مسمي الجسم والعرض والجوهر والتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك فان هذه الألفاظ يدخلون في مسماة الذي ينفونه أمورا مما وصف به نفسه ووصفه به ورسوله فيدخلون فيها علمه وقدرته وكلامه ويقولون أن القرآن مخلوق لم يتكلم الله به وينفون بها رؤيته لاذ رؤيته علي لصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته، ولذلك يقولون المتكلم لا يكون إلا جسما متحيزا و الله ليس بجسيم متحيزا، فلا يكون متكلما، يقولون لو كان فوق العرش لكان جسما متحيزا والله سبحانه وتعالي ليس بجسم متحيز فلا يكون فوق العرش، وأمثال ذلك الي آخر كلامه وهو في صفحة ثلاث وثلاثين ومائة.

والمقصود أن قول أهل البدع في الواحد انه الذي لا ينقسم ولا يتجرأ قول مبتدع مخترع لم يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هو من كلام من ينتسب الي أهل السنة والجماعة من المتكلمين وغيرهم.

واما قول الشارح في الأحد انه اجدلا من عدد، فهو كلام لا طائل تحته ولا يفيد شيئا من المعاني بل الذي ينبغي آن يقال ما قاله فيه شيخ الإسلام ابن تميمة قدس الله روحه حيث قال (قل هو الله أحد * الله الصمد) فادخل اللام في الصمد ولم يدخلها في أحد لانه ليس في الموجودات ما يسمي أحدا في الإثبات مفردا غير مضاف بخلاف النفي وما في معناه كالشرط والاستفهام فانه يقال هل عندك أحدا أكرمته وانما استعمل في العمل المطلق وقال أحد اثنان ويقال أحد عشر وفي أول الأيام يقال يوم الأحد الي آن قال والمقصود هنا آن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان الا بالله وحده وانما يستعمل في غير الله في النفي قال آهل اللغة تقول لا أحد في الدار ولا تقل فيها أحد ولهذا لم يجيء في القرآن الا في غير الموجب كقوله تعالي (فما منكم من أحد عنه حاجزين) وكقوله (لستن كأحد من النساء) وقوله (وان أحد من المشركين استجارك فاجره) وفي الإضافة كقوله تعالي (فابعثوا أحدكم) (وجعلنا لاحدهما جنتين) والله اعلم (ومنها) ما ذكره الشارح في الكواكب في صفحة ثلاثة عشر:

فكل ما جاء من الآيات ... اوصح في الأخبار عن ثقات

من الأحاديث نمرة كما قد ... جاء فاسمع من نظامي واعلما

قوله فكل ما جاء أي عن الله تعالى من الآيات القرآنية اوصح مجيئه في الأخبار بالأسانيد بخلاف الضعيفة فان وجودها كعدمها فلا بد من آن تكون الأخبار عن رواة ثقات في النقل من الأحاديث والآثار فما هو يوهم تشبيها فهو من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله نؤمن به وبأنه من عند الله ونمرة كما قد جاء عنه تعالي او عن رسوله فمذهب السلف عدم الخوض في هذا والسكوت عنه ونفوض علمه الي الله قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين واما آهل التأويل فآبوا الا يفسروا ويؤولوا حتى خالفوا سلف الآمة وأئمتها وابتدعوا في ذلك وكل بدعة ضلالة انتهي.

فاقول اعلم وفقك الله آن هذا الكلام الذي أوردته في هذا المقام لا ينبغي آن يؤخذ علي إطلاقه ونسبته الي مذهب آهل السنة والجماعة من السلف رضوان الله تعالى عليهم بل فيه ما هو حق من كلام السلف وفيه ما هو من بعض أقوال المتكلمين الذين ينتسبون الي آهل السنة ممن كثر في باب أسماء الله وصفاته اضطرابهم وكثف عن معرفته حجابهم فان السلف رضوان الله تعالى عليهم لا يدخلون أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة في المتشابه الذي لا يعلم تاويله الا الله نعم فيه ما ذكر عن السلف انهم يمون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت وسيأتي بيان معني ذلك فيما بعد آن شاء الله تعالى شيخ الإسلام ابن تميمة قدس الله روحه في الرسالة المسماة بالإكليل في المتشابه والتأويل.

(فصل)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت