الشبهة الأولى: (كفر دون كفر) :
دَرَجَ المبطلون في هذا العصر على أن يشغبوا على ما سبق تقريره ممَّا دلَّ عليه الكتاب والسنَّة وانعقد عليه إجماع الأمّة من كفر من بدَّل شرائع الله, أو ردَّ أحكام الله بالقول بأن هذا الأمر من جنس الذنوب والمعاصي التي لا تخرج من الملة, وحجَّتهم في ذلك أنَّه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب إلا إذا استحلّه, وأن كثيرًا من أهل العلم ذكر في تفسير قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . (المائدة44) . قول ابن عباس وطاووس ومجاهد وغيرهم أن هذا كفر دون كفر, وأنَّه ليس كمن كفر بالله وملائكته, ويقولون إن التكفير بذلك هو منهج الخوارج الذين كانوا يكفِّرون مخالفيهم من أهل القبلة معتمدين على مثل هذه النصوص وعلى مثل قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} . (يوسف40) .
والعجيب أنَّ هذه الشبهة دخلت إلى أروقة المحاكم الوضعية التي انتصبت لمحاكمة التَّيار الإسلامي فتجد ممثلي الإدعاء العام يبدءون ويعيدون في تكرار هذه المقولة متهمين أبناء الحركة الإسلاميَّة بأنهم يرددون مقولات الخوارج, وأن مجتمعاتنا المعاصرة لم تنكر لله حكمًا ولم تردّ له أمرًا فلا يصدق عليها وصف الكفر الوارد في الآية. بل ولا يلحقها إثم كذلك نظرًا للظروف الدقيقة التي تمر بها الأمة الإسلامية في واقعنا المعاصر.
ونظرًا لأن هذه الشبهة قد ينخدع كثير بها من العامة فإننا نقف بين يديها وقفة فاحصة نرد فيها الأمور إلى نصابها, ونبدّد بها ظلام هذه الشبهة فنقول:
لقد تمهد -كما سبق- في محكمات الأدلة أن الإيمان هو تصديق الرسول, - صلى الله عليه وسلم - , فيما أخبر والانقياد له فيما أمر, وأن الكفر هو عدم الإيمان, سواء أكان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض, وأن من لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر.
وعلى هذا يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله, ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله, قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين, وقد يقصد به عمل الأصوليين المشرّعين وعلى حسب الدّقَّة في تحديد المناط تكون الدّقَّة في سلامة الحكم وموافقته لمراد الشارع.
فإن قُصد به عمل القضاة والمنفِّذين, نظر: فإن كان مردَّه إلى تكذيب الحكم الشرعي أو رده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو رشوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداءًا إلى الكتاب والسنة أو ما حمل عليها بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي وأصحابه في مشيئة الله إن شاء الله عذّبه وإن شاء غفر لهم.
وهذه -أي الحالة الأخيرة- وهي صورة الحكم بغير ما أنزل الله, التي عرفت في تاريخ الإسلام, والتي قال فيها علماء الإسلام ما قالوا وفصَّلوا فيها من الأحكام ما فصَّلوا, إذ لم تعرف الدولة في تاريخها الطويل نبذًا كاملًا لأحكام الله, اللهم إلا مرة واحدة في أيام التتار, ولقد جزم أهل العلم يومها بأن هذه الصورة المستحدثة لا حكم لها إلا الكفر, وأن أصحابها كفَّار بلا خلاف وأنه يجب قتالهم يرجعوا إلى حكم الله ورسوله.