البخاري - وأبو داود والنسائي وابن ماجة]، وهذا السبب هو الصحيح والراجح لثلاثة أمور:
ثانيًا: هل الكفر الوارد في هذه الآية كفر أكبر أم كفر أصغر؟
اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في ذلك على قولين:
-فمنهم من قال إنه الكفر هكذا بإطلاق بما يعني أنه الأكبر كما سنبينه إن شاء الله، ومن هؤلاء عبدالله بن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم و من التابعين: الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدي [تفسير الطبري: 6: ص 240، الزواجر لابن مكي: 2: ص 189، تفسير روح المعاني للألوسي: المجلد الثالث: ج6: ص 140، المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة: 11: ص 437، 438، محاسن التأويل للقاسمي: 6: ص 215، تفسير الطبري: 6: ص 257] .
-أما من قال إنه كفر أصغر أو كفر لاينقل عن الملة أو كفر دون كفر، فمن الصحابة نُسِب هذا القول إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ولايصح عنه، ومن التابعين: رُوِيَ عن طاوس أنه قال (ليس بكفر ينقل عن الملة) . وعن عطاء بن أبي رباح أنه قال فيها (كفر دون كفر) . رواهما ابن جرير [تفسير الطبري: 6: ص 256] ونقله عنه ابن كثير فيما نقلته عنه، والصواب الذي لاشك فيه أن الكفر الوارد في الآية هو الكفر الأكبر المخرج من الملة لما يلي:
• أنه لا مخالف من الصحابة في أن الكفر في هذه الآية هو الأكبر، ومع انتفاء المخالف يمكن القول بأن هذا إجماع منهم على ذلك، وأما ما ورد عن ابن عباس لايصح بل الذي صحَّ عنه قوله بالكفر الأكبر وأذكر دليلين على ذلك:
الدليل الأول: ويبين أن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأكبر، وهو مارواه النسائي في باب تأويل قول الله عزوجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة: 44] ، فقد روي النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (كانت ملوكٌ بعد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بدّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة، قيل لملوكهم: مانجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرأون(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة: 44] ، وهؤلاء الآيات مع مايعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرأوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا مابدّلوا منها) [سنن النسائي: 4990] ، ويدل هذا الحديث - وهو من رواية ابن عباس موقوفًا - على أمرين، الأول: أن هذه الآية كانت مما أنزل بالتوراة الصحيحة قبل تبديلها فأنزل الله تصديقها في القرآن، والأمر الآخر: أن الكفر فيها هو الأكبر ويدل على ذلك قول المبدّلين منهم: مانجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، لمَّا قرأ المؤمنون منهم تلك الآية، ولاشتم أشد من وصفهم بالكفر الأكبر على مابدّلوا وحَرّفوا، ولو لم يكن الكفر في الآية هو الأكبر لما وصفوه بأنه أشد شتم ٍ.