مسألة: ومن فعل التوحيد يُسمى موحدا كما أن من فعل الشرك يُسمى مشركا، قال المصنف في الدرر 1/ 168 وأكبر المعروف، وأوجبه، أول ما فرض الله، وهو: التوحيد: اسم لفعلك إن كانت أعمالك كلها لله فأنت موحد، فإن كان فيها شرك للمخلوق، فأنت مشرك.
والمصنف جعل التوحيد مبني على أصول فقال والتوحيد ثلاثة أصول والحفيد قال أنواع، ولا مشاحة في الاصطلاح ما دام أن كل ذلك صحيح. وإن كان كلمة أصل في باب التوحيد أدق وأحسن من كلمة نوع لعظم شأن التوحيد ولأنه ينبني عليه أمور أخرى فهو أساس.
مسألة في ترتيب أصول التوحيد أو أنواعه:
هذه مسألة خلافية بين أهل العلم في ترتيب ذلك وبأيهما يبدأ على النحو التالي:
أ ـ بعضهم يهتم بالترتيب فيبدأ بتوحيد الأسماء والصفات لأنه الأصل ثم يجعل بعده توحيد الربوبية لأنه من الأسماء وهو الرب وصفة الربوبية منه ثم الألوهية لأنها من لازم ذلك ومبنية عليهما، وهذا ترتيب منطقي عقلي صحيح وقوي، قال الحفيد سليمان في كتابه التيسير في أوله وتوحيد الربوبية والألوهية من لازم توحيد الأسماء والصفات، ولذلك أهل العلم يقولون إن توحيد الأسماء والصفات والربوبية هما العلمي الخبري الاعتقادي اهـ، وإذا كان كذلك فهو لا بد أن يسبق توحيد الألوهية لأنه عملي قصدي، والعلم والاعتقاد يسبق العمل الذي هو توحيد الألوهية. وقال المصنف في ذلك: في الدرر 2/ 73 فإذا عرفت هذا، معرفة جيدة: تبين لك غربة الدين؛ وقد استدل عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية، على بطلان مذهبهم، لأنه إذا كان هو المدبر وحده، وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة، فكيف يدعونه، ويدعون معه غيره، مع إقرارهم بهذا 0وأما توحيد الصفات: فلا يستقيم توحيد الربوبية، ولا توحيد الألوهية، إلا بالإقرار بالصفات، لكن الكفار: أعقل ممن أنكر الصفات، والله أعلم 0 وقال المصنف في الدرر 1/ 112
ورد عليهم ـ أي أهل الكلام ـ أهل السنة بأدلة كثيرة، منها: أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات؛ وأن معنى الإله: هو المعبود؛ فإذا كان هو سبحانه متفردًا به، عن جميع المخلوقات، وكان هذا وصفًا صحيحًا، لم يكذب الواصف به، فهذا يدل على الصفات، فيدل على العلم العظيم، والقدرة العظيمة؛ وهاتان الصفتان: أصل جميع الصفات، كما قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء عليمًا) .
فإذا كان الله قد أنكر عبادة، من لا يملك لعباده نفعًا ولا ضرًا، فمعلوم: أن هذا يستلزم بحاجة العباد ناطقها، وبهيمها؛ ويستلزم: القدرة على قضاء حوائجهم؛ ويستلزم الرحمة الكاملة، واللطف الكامل، وغير ذلك من الصفات؛ فمن أنكر الصفات، فهو معطل؛ والمعطل: شر من المشرك؛ ولهذا كان السلف، يسمون التصانيف، في إثبات الصفات: كتب التوحيد، وختم البخاري صحيحه بذلك، قال: كتاب التوحيد؛ ثم ذكر للصفات بابًا.