إذن المسلمون لا يكرهون أحدا على الدخول في الإسلام ولا على اعتناقه؛ وإن كان لا بد أن يخضع لحكم الله تعالى ويبذل الجزية؛ فإن لم يفعل وجب قتاله حتى إما أن يسلم أو يبذل الجزية صاغرًا {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}
وذلك كله أيها الأحبة بعد الدعوة إلى الإسلام ..
{قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أي: قد تميز الإيمان من الكفر؛ ووضح الحق من الباطل؛ والهدى من الضلال؛ فمن نظر بعين العدل والإنصاف، وقَصَدَ الحق؛ ظهر له أن الإسلام هو الرشد والحق والهدى فأسلم واهتدى؛ بخلاف من اتبع الهوى ولم يرد الحق ولا اتباعه! بل آثر الحياة الدنيا!!
ثم قال الله تعالى {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}
"العروة": طرف الحبل إذا ربط على هيئة حلقة، يمسك بها من ينزل في بئر أو يصعد منها .. فهي وسيلة النجاة.
و"الوثقى": شديدة الربط لا أوثق منها؛ والمراد بالعروة الوثقى هنا: قيل الإسلام؛ وقيل القرآن؛ وقيل"لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه"؛ وكلها أقوال صحيحة متلازمة ولا تنافي بينها؛ فالمراد أنه استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم؛ فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد.
قال قَيْس بْن عُبَاد: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة .. فلما خرج اتبعته، حتى بلغ منزله فدخلت معه فحدثته؛ فلما استأنس، قلت: إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا؛ قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم .. وسأحدثك لِمَ؟
إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه؛ رأيت كأني في روضة خضراء (قال ابن عون وهو أحد الرواة) فذكر من خضرتها وسعتها؛ وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة؛ فقيل لي: إصعد عليه! فقلت: لا أستطيع؛ فجاء منصف (قال ابن عون: هو الوصيف أي الخادم) فرفع ثيابي من خلفي؛ فقال: اصعد! فصعدت حتى أخذت بالعروة .. فقال: استمسك بالعروة!