وقد بيّن أهل العلم الفرق بين المداراة والمداهنة، ومراد النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسلكه تجاه ذلك الرجل .. (قال القاضي عياض: الفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدين، أو الدنيا، أو هما معًا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة) [1] .
وقال ابن بطال: (حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله، وحيث تَلَقّاه بالبشر كان لتأليفه، أو لاتقاء شره، فما قصد بالحالتين إلا نفع المسلمين، ويؤيده أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ولا صالح) [2] .
إذا تقرر ذلك فليتق الله قوم يداهنون أنظمة طاغوتية، وحكامًا مضلين، ثم يسمون صنيعهم مدارة وحكمة وسياسة، فإن العبرة بالحقائق، والله عزَّ وجلَّ مطلع على السرائر وما تخفى الصدور.
ثانيًا: ينبغي أن نفرِّق بين النفاق وبين ما يعرض للقلب من الغفلة والتغير بعد الخشوع والإخبات.
يقول ابن رجب: (لما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال .. أن يكون ذلك منه نفاقًا، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأُسيْديِّ أنه مرّ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه (فقال: كيف أنت يا حنظلة، قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول، قال: نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عافسنا [اشتغلنا بـ] الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا، فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخبره حنظلة بحاله، فقال عليه الصلاة
والسلام: (( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ) ) [3] .
وقال النووي: (وأصل النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك منافقًا، فأعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك) [4] .
والمقصود: أن أمر النفاق شيء، وأما الغفلة والذهول شيء آخر، حيث يرد هذا التغير على القلب، لكنه أمر عارض يصيب القلب ساعة، فيستغفر العبد ربه وينيب.
ثالثًا: أن نفرِّق بين قبول الحق من كل شخص سواءً أكان مؤمنًا أو كافرًا أو منافقًا، وبين موالاة ذلك الشخص ومودته، فالمنافق إذا قال صوابًا، فإنه يقبل هذا الصواب منه، ومع ذلك فله حق العداوة والبغضاء بحسب نفاقه، وفي المقابل: فإن العالم الفاضل أو الداعية الصادق، وإن وقع في
(1) فتح الباري، 10/ 454.
(2) فتح الباري، 13/ 171.
(99) جامع العلوم والحكم، 2/ 94.
(100) صحيح مسلم بالنووي، 17/ 67.