فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 21

ولعل هذا الأثر يكشف سبب إنكار أولئك المرجئة للنفاق، فهذا المرجئ يقول: إنما هو الكفر والإيمان، ومقصوده: أن الإيمان شيء واحد إذا ثبت بعضه ثبت جميعه، وإذا زال بعضه زال جميعه، فلا يجتمع ـ عندهم ـ في العبد إيمان وكفر أو نفاق أصغر، ولذا: احتج عليه أيوب بالآية الكريمة (( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ ) ).

فهذا صنف جمعوا بين إيمان ومعاصٍ، وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فأمْرهم إلى الله (تعالى) ، فليسوا من أهل الإيمان المطلق التام، كما أنهم ليسوا كفارًا مطلقًا.

وقد غلط المرجئة في ذلك، فليس الإيمان شيئًا أو شعبة واحدة، بل إن الإيمان شعب متعددة ـ كما في حديث شعب الإيمان ـ وكذلك الكفر والنفاق شعب متعددة.

ويدل على ذلك: ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: (( ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، فقال رجل: يا رسول الله، ذهبت اثنتان وبقيت واحدة؟ قال: فإن عليه شعبة من نفاق ما بقي منهن شيء ) ) [1] .

قال الذهبي: (وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص .. ) [2] وقال شيخ الإسلام: (وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة .. ) [3] .

وأمر آخر، وهو: أن مقالة الكرامية، وهم من طوائف المرجئة، بأن الإيمان: قول باللسان، قد تكون سببًا في إنكارهم النفاق ونفيه، فالمنافق - عندهم - مؤمن بالنسبة إلى أحكام الدنيا، مع أن الله (تعالى) قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله (سبحانه) : (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) ) [البقرة: 8] .

كما أن غلاة المرجئة - الجهمية ومن تبعهم - ينكرون الأعمال القلبية، فيخرجونها عن مسمى الإيمان، فالإيمان ـ عندهم ـ معرفة أو تصديق بلا عمل قلبي.

وهذا لا يعدّ إيمانًا صحيحًا ولا مقبولًا، فالتصديق بلا نية أو عمل قلبي نفاق [4] ، فجعلوا الإيمان مجرد ومن ثم سينكرون النفاق، والله أعلم.

أما عن الموقف والواجب تجاه المنافقين، فيتمثل في جملة أمور، منها:

1 -النهي عن موالاتهم والركون إليهم، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يًَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ) [آل عمران: 118، 119] .

2 -زجرهم ووعظهم: لقوله تعالى: (( أُوْلَئِكَ الَذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ) ) [النساء: 63] .

(4) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 7/ 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت